فهرس الكتاب

الصفحة 1363 من 23694

وكما أن الموجود لا يدرك تمامًا إلا عن طريق أجزائه، كذلك فإن الواحد لا يدرك عقليًا إلا عن طريق الكثرة، فالكثرة، كأقسام الموجود، تقع في مستوى المعرفة الخيالية غير المنفصلة تمامًا عن المادة، وعن لواحقها كالأبعاد والكيفية. أما الموجود والواحد، فإنهما يقعان في مستوى المعرفة العقلية المنفصلة كليًا عن العالم الحسي، لكننا لا نستطيع التوصل إلى هذا النوع من المعرفة إلا انطلاقًا من العالم الخارجي المحيط بنا. وإليكم هذا النص الذي لم تبين مكانته الفكرية في إدراك الموجود والواحد قبل الآن:"لكنه يشبه أن تكون الكثرة أيضًا أعرف عند تخيلنا، والوحدة أعرف عند عقولنا، ويشبه أن تكون الوحدة والكثرة من الأمور التي تتصورها بديًا، لكن الكثرة تتخيلها أولًا، والوحدة نعقلها من غير مبدأ عقلي لتصورها، بل إن كان ولابد فخيالي (40) ".

وهنا لابد لنا من إعطاء لمحة بسيطة عن المعرفة التجريدية عند ابن سينا. تتمثل هذه المعرفة بتجريد الصور عن المحسوسات، وذلك لاكتساب المعقولات. وقد تكلم ابن سينا على أربع عمليات تجريدية، هي:

1 ـ الإدراك الحسي: وهو يقدم إلى القوة الناطقة في النفس، عن طريق الحواس الخمس والحس المشترك، الصور الخاصة غير المنفصلة تمامًا عن المادة. وهكذا لا تزال هذه الصور مشوبة بعناصر مادية مختلفة كالكم والأيَنْ والكيف والوضعية.

2 ـ الإدراك الخيالي: وفي هذه العملية يبرئ الخيال الصورة المنزوعة من المادة بشكل أقوى من العملية الحسية، ويحاول الخلاص من المادة. ولكن تبقى بعض اللواحق المادية عالقة بالصورة كالأبعاد والكيفيات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت