رغم أن الشيء يدرك، كالموجود والواحد، من خلال الموضوع والمحمول ومن خلال أقسامه، فإنه أعرف وأعقل منهما، كما هو أعرف وأعقل من أقسامه. فمن يقول:"إن الشيء هو الذي يصح عنه الخبر، فإن"يصح"أخفى من"الشيء"، و"الخبر"، أخفى من"الشيء"، فكيف يكون هذا تعريفًا للشيء؟ (....) . وأما بالحقيقة فإنك إذا قلت أن الشيء هو ما يصح الخبر عنه، تكون كأنك قلت: إن الشيء هو الشيء الذي يصح الخبر عنه، لأن معنى"ما"و"الذي"و"الشيء"، معنى واحد، فتكون قد أخذت الشيء في حد الشيء (36) ". إن "الشيء"و"الأمر"، و"ما"و"الذي" عبارة عن مرادفات.
ومن ناحية أخرى يقول ابن سينا عندما يتكلم على الواحد:"ولأن الواحد مساوق للموجود فيلزمنا أن ننظر أيضًا في الواحد، وإذا نظرنا في الواحد وجب أن ننظر في الكثير، ونعرف التقابل بينهما (37) ."
فالواحد، كالموجد، يرتسم معناه في النفس ارتسامًا أوليًا، ويكوّن وإياه موضوع العلم الميتافيزيقي، وذلك لأن ما يقال عنه"موجود"يصح أن يقال عنه"واحد"، حتى أن الكثرة مع بعدها عن طباع الواحد قد يقال عنها كثرة واحدة. وهكذا فإن علم الموجود يعتبر"الواحد ولواحقه"، كما أنه يعتبر الكثرة ولواحقها (38) . فإذا كان الواحد ميزة الوجود، أو بالأحرى ميزة الجوهرأو الفعل، فإن الكثرة ميزة العدم، أو بالأحرى القوة ومختلف الصور العرضية للموجود. ومع أن أرسطو قد أشار إلى العلاقة القوية بين الموجود والواحد، غير أن ابن سينا قد شدّد على هذه العلاقة بتأثير من أفلوطين.
والواحد، كالموجود، يقال عن كل المقولات دون أن يكون أيًا منها، ولكن هذا لا يعني مطلقًا أن مفهومي الواحد والموجود متطابقان كليًا:"والواحد قد يطابق الموجود في أن الواحد يقال على كل واحد من المقولات كالموجود، لكنّ مفهومهما ـ على ما علمت ـ مختلف، ويتفقان في أنه لا يدل واحد منهما على جوهر بشيء من الأشياء (39) ".