وإذا ما مضينا في تصوير أشكال التعبير لديه فإننا نفاجأ بأمثلة ينزلها منزلة القصر إرضاء لإيمانه الاعتزالي الذي طغى على عمله الفني. فهو يرى أن تقديم المبتدأ يفيد الاختصاص يقول في الآي: (والله يقدر الليل والنهار("ولا يقدر على تقدير الليل والنهار ومعرفته مقادير ساعاتهما إلا الله وحده. وتقديم اسمه عز وجل مبتدأ مبنيًا عليه يقدر هو الدال على معنى الاختصاص بالتقدير. والمعنى: إنكم لا تقدرون عليه"(32) . ويقول في تفسير الآي: (الله نزل أحسن الحديث كتابًا متشابهًا مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم("وإيقاع اسم الله مبتدأ وبناء نزل عليه فيه تفخيم لأحسن الحديث ورفع منه واستشهاد على حسنه وتأكيد لاستناده إلى الله وأنه من عنده وأن مثله لا يجوز أن يصدر إلا عنه وتنبيه على أنه وحي معجز باين لسائر الأحاديث(33) ، والمعنى في قوله: (هو أنشأكم من الأرض(، (هو يحيي ويميت(، (الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر( لم ينشئكم منها إلا هو(34) ، وهو القادر على الإحياء والإماتة لا يقدر عليهما غيره (35) ، -و- الله وحده هو يبسط الرزق ويقدره دون غيره" (36) .
كل ما يعني الزمخشري هو النظر في أمر (الفاعل) الذي يرتبط بذهن المعتزلة بمكانة خاصة، أو لنقل إن المنبه لهذا الإحساس بتقديم المبتدأ ليس إحساسًا فنيًا بل إنما هو إحساس ديني طغى على جمال العبارة فسلبها جمالها وبلاغتها.
وهذا النموذج من القصر يلتقي مع مواقف أخرى فسر فيها الزمخشري التراكيب الخالية من أدوات القصر على اعتبارها قصرًا أو تخصيصًا. منها: تعريف الخبر المسند من نحو تعليقه على الآي: (وأولئك هم الفائزون( حيث المعنى"لا أنتم، والمختصون بالفوز دونكم"(37) . وقوله في الآي: (ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم(."أي هو الفوز العظيم وحده دون ما يعده الناس فوزًا"(38) . وقوله: (إن شانئك هو الأبتر( أي"لا أنت"(39) .