وهكذا فإن الموجود يدرك من خلال أقسامه، أي من خلال أنواعه كالمقولات العشر التي تقومه، ومن خلال حالاته التي تحمله نحو الكمال والتمام كالقوة والفعل (29) . وبهذا فإن الموجود يسند إلى كل هذه الأقسام، دون أن يكون أيٌّ منها محافظًا بذلك على استقلاله ووحدته، ولكن أية وحدة تبقى في الموجود، من خلال هذا التعدد؟ وما العلاقة القائمة بين الموجود والواحد؟...
بيد أن الموجود لا يمكن أن يتوقف عند مستوى التعدد في أنماط الواحد، أي مستوى أقسام الموجود. ولهذا السبب فإن هذا الإدراك العميق للموجود يقود إلى التساؤل هل ثمة موجود آخر خارج من هذا التعدد، هو الموجود بالمعنى الأكثر إطلاقًا للكلمة. وهذا ما قام به فعلًا ابن سينا، إذ أنه بعد أن درس الموجود في المقالات السبع الأولى من الهيات الشفاء، وحلله إلى أقسامه الكبرى، ودرس هذه الأقسام بإمعان دقيق، طرح وجود المبدأ الأول. ."وإذا قد بلغنا هذا المبلغ من كتابنا فبالحري أن نختمه بمعرفة المبدأ الأول للوجود كله وأنه هل هو موجود؟ وهل هو واحد لا شريك في مرتبته، ولا ندّ له؟ أو ندل على مرتبته في الوجود، وعلى ترتيب الموجودات دونه ومراتبها، وعلى حال العود إليه مستعينين به (30) ".
والحقيقة أن إدراك الموجود من خلال تلك المعقولات المتعددة هو الذي يدفع العقل ليطرح على نفسه مسألة وجود مبدأ أول. بيد أن إدراكنا للموجود ليس إدراكًا حسيًا، ولا خياليًا، ولا وهميًا، وإنما هو إدراك عقلي محض. إنه لا يكتسب عن طريق التحديد، ولا عن طريق الوصف، وبالتالي لا يمكن إثباته لا عن طريق البرهان ولا عن طريق الحجة. وبكلمة واحدة فإن العقل لا يتوقف عند إدراك المواضيع والذوات، بل لابد له من تأكيد الوجود وإدراك المبادئ الأولى للموجود كالجوهر والفعل، وحتى في حال فقدان الخبرة الحسية فإن الإنسان قد ينكر كل ما يحيط به ما عدا وجوده ونفسه.
علاقة الموجود بالشيء والواحد