وبالاختصار فإن هذا الاستقراء يقودنا إلى كشف مبادئ الموجودات، أو بالأحرى إلى إدراك ما هو أول ضمن إطار الموجودات بحسب ماهياتها وصورها، وكذلك إلى إدراك ماهو أول ضمن إطار الموجودات بحسب فعلها وغايتها، فالجانب الأول هو الجانب الخارجي الحسي الذي يقودنا إلى إدراك الجوهر، والجانب الثاني هو الجانب الداخلي الذي يقودنا إلى إدراك الفعل، فالجوهر هو الموجود في أول معنى له بحسب الصورة، والفعل هو الموجود في أول معنى له بحسب الغاية.
ومع أن كشف الجوهر والفعل يعطي معرفة الموجود عمقًا جديدًا، فإننا لا نستطيع، مع ذلك، مطابقة الموجود معهما. ذلك لأن تلك المطابقة ستؤدي بنا إلى اعتبار بقية المعقولات الأخرى للموجود كأنها لم تكن، وبالتالي إن اعتبار الموجود بالقوة كأنه كذلك لم يكن. وهنا يظهر لنا الموجود في تعدده العميق: فهو أولًا: الموضوع المعين، أي الذات، وهو ثانيًا فعل الوجود بالنسبة للموضوع، والوجود نفسه بالنسبة للذات، وهو ثالثًا الجوهر من حيث أنه مبدأ، وهو رابعًا الفعل من حيث أنه مبدأ.
إن معقولًا واحدًا من بين كل المعقولات، بامتياز مرموق عند ابن سينا، أن كل الأشياء التي تقع تحت حواسنا، وبالتالي نفكر فيها، ندركها أولًا كموجودات. فالكون"شجرة"، مختلف عن الكون"حصان"وعن الكون"إنسان"، لكن الموجود يجمع بين هذه الوقائع الثلاث، أو بالأحرى بين كل ما ندركه من أعيان وانطلاقًا من الخبرة الحسية، وعن طريق الاستقراء، يدرك، العقل عند ابن سينا، هذا المعقول، أو هذا العنصر المشترك بين الوقائع العينية المختلفة.