فهرس الكتاب

الصفحة 1358 من 23694

وتتمثل هذه الحالة بأن يتوهم الإنسان أنه خلق صحيح العقل والهيئة، بحيث أنه لا يبصر أجزاءه ولا تتلامس أعضاؤه، فإنه في مثل هذه الحالة يغفل عن كل شيء، كأعضائه الظاهرة والباطنة، وككونه جسمًا ذا أبعاد، وكحواسه وقواه، وكالأشياء الخارجية عنه جميعًا إلا عن ثبوت وجوده ونفسه (28) .

وهذه المعرفة للموجود هي، على طريقة ابن سينا، معرفة تأمليَّة حدسية إلى حد ما، عن طريق إدراك النفس لنفسها بنفسها.

ومع أن تعقل الموجود يتأكد عن طريق ماهية الموضوع المعين، أو ذاته، وعن طريق فعل الوجود الذي يسند إلى الموضوع أو إلى الذات، فإنَّهُ، مع ذلك، يقع خارجًا عن هذه الثنائية. وعلى العقل، في هذه الحالة، أما اللجوء إلى الحدس لإدراك الموجود إدراكًا تأمليًا، وأما اللجوء أن طرح الأسئلة التي تعبر عن نزوعه الطبيعي لإدراك الموجود في أدق معانيه.و مع أن ابن سينا قد سلك الطريقتين ـ كما بينا آنفًا ـ، فإنه، مع ذلك، يميل إلى الثانية، لأنها الطريقة العادية المألوفة المتمثلة في اختبار الوقائع العينية المحيطة بنا.

وننتقل، عن طريق هذا التساؤل، من المعلوم إلى المجهول ضمن إطار الموجودات بحثًا عن إجابات حقيقية ومعقولة. فإذا لم يكن الموجود لا بالموضوع، ولا بالماهية، ولا بالذات، ولا بالممارسة الفعلية للأشياء الموجودة، فما هو إذن؟.. لابد لنا من ترك بعض العناصر الفرعية جانبًا، لكشف حقيقة الموجود، وبالتالي لإدراك المبدأ الخاص بالوقائع الموجودة والعلة الخاصة بوجودها. وهذا الكشف هو ما نطلق عليه منهجًا استقرائيًا بكل ما تحتويه كلمة استقراء من معان قوية ودقيقة تسمح للعقل انطلاقًا من الخبرات الفردية والجزئية، بكشف المبادئ والعلل الخاصة بالواقع، وحتى بكشف الكلي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت