فكما أن الشيء قديعلم تصورًا ساذجًا... وقد يعلم تصورًا معه تصديق... كذلك الشيء قد يجهل من طريق التصور... وقد يجهل من جهة التصديق (...) . فالسلوك الطلبي منا في العلوم ونحوها إما أن يتجه إلى تصور يستحصل، وإما أن يتجه إلى تصديق يستحصل، وقد جرت العادة بأن يسمى الشيء الموصل إلى التصور المطلوب"قولًا شارحًا"، فمنه حد ومنه رسم ونحوه، وأن يُسمى الشيء الموصل إلى التصديق المطلوب"حجة"، فمنها قياس، ومنها استقراء. ومنهما يصار من الحاصل إلى المطلوب. فلا سبيل إلى إدراك مجهول إلا من قبل حاصل معلوم (24) "."
ينتقد ابن سينا العامة التي تعتقد"أن الموجود هو المحسوس". فيعرض رؤيتهم، أولًا، بقوله: أعلم أنه قد يغلب على أوهام الناس أن الموجود هو المحسوس، وأن مالا يناله الحس بجوهره، ففرض وجوده محال، وأن مالا يتخصص بمكان أو وضع بذاته كالجسم، أو بسبب ماهو فيه كأحوال الجسم، فلاحظ له من الوجود (25) ". ثم ينتقد هذا الرأي معتمدًا، كما يقول الطوسي، على وجود موجودات معقولة مجردة عن"الفواشي الغريبة"، من الاين، والوضع، والكم والكيف، كما يقال الإنسان، مثلًا، على الأفراد بغض النظر عن الشروط الحسية (26) ، فالمخيلة والحواس الخارجية عاجزة عن إدراك الموجود بعكس العقل فإنه الوحيد القادر على ذلك."
رغم أن إدراكنا للموجود ليس إدراكًا حدسيًا، كما رأينا ذلك، فإن ابن سينا يتكلم عن إدراك مباشر تتوصل النفس إليه بالعودة إلى أعماق ذاتها، بغض النظر عن الخبرة الحسية. وفي هذا المعنى ينبه ابن سينا على أن الإنسان الكامل الإدراك، وغير كامله، الذي يختل إدراكه إما بالحواس الظاهرة كالنائم، وإما بالحواس الظاهرة والباطنة جميعًا كالسكران ـ شرط أن يكون له مع ذلك فطنة صحيحة ـ لا يغفل عن وجود ذاته (27) . ثم يزيد إيضاحًا، بفرض حالة للإنسان لا يدرك فيها شيء غير وجوده نفسه.