"الموجود يعرفه العقل بذاته دون أن يلجأ إلى التحديد أو إلى الوصف، لأن الموجود ليس له تحديد ولا جنس ولا فصل ولأنه لا يوجد أي شيء أعم من الموجود. ومن ناحية أخرى فإن الموجود ليس له تحديد وصفي، لعدم وجود أي شيء أعرف منه. وبكل تأكيد فإنه من الممكن معرفة اسمه بلغة أو بأخرى (...) . فإن قلنا مثلًا بالعربية"موجود"، ونشرحه بالفارسية، أو نشير إلى أن الموجود هو ما تترتب كل الأشياء تحته وللوهلة الأولى، يتشعب الموجود إلى قسمين: الأول يسمى بالجوهر، والآخر بالعرض (23) ."
إن العقل موجه، بأعمق ما يملكه من العمليات، نحو الموجود، ولا يكون هو إلا من خلال إدراكه للموجود وكشفه له، وهو الوحيد القادر على ذلك. فلكي تبقى الميتافيزيقا قائمة، علينا أن نعتبر أنها وجدت من أجل الموجود، وأن نقبل بقدرة العقل على كشفه وإدراكه، وإلا فسيكون موتها، وذلك لاستحالة وجود علم ميتافيزيقي في مستوى الحواس والخيال والصور.
فعن طريق التصور البسيط الساذج ندرك الأسماء والماهيات والذات، وعن طريق الحكم والتصديق يتم التحديد الأولي للوجود. ولكن العملية الثانية تحتوي حكمًا على العملية الأولى، لأنها مكونة من عنصرين أساسيين، هما: التحديد، أي الصورة أو الطبيعة وطريقة الوجود، أي فعل الوجود، أو الوجود. وعلينا ألا نخلط بين العنصرين المنطقيين، استيعاب طبيعة معينة وتأكيد وجودها، مع العنصرين الانطولوجيين اللذين تتركب منهما كل الوقائع المختبرة، وهما الموجود والوجود.