إن الموجود هو من الأشياء التي ترتسم معانيها في النفس ارتسامًا أوليًا، أو هو كما يؤكد الأكويني مرددًا بذلك قول ابن سينا: Priom in intellcctu dadit ens (20) ، وذلك لأن العقل منذ أن يستيقظ كعقل يدرك المواضيع المحيطة به مؤكدًا وجودها أو عدم وجودها. وهنا تتمثل عملية الحكم والتصديق المتضمنة لعملية التصور البسيط. فإدراكنا الحقيقي للموجود هو أول كشف جذري نتوصل إليه، لأننا لا نستطيع أن نعود إلى أي شيء آخر سوى اسم الموجود لتوضيحه. فهو إذن ليس إدراكًا حسيًا، لأننا لا ندركه تمامًا إلا عن طريق الخبرة التي تقدمها لنا حواسنا باحتكاكها مع الوقائع الفردية، علمًا أن الموجود مغاير لتلك الوقائع إذن لابد من تجاوز الوقائع الفردية، أي الماهيات والذرات التي تتحقق واقعيًا عن طريق الوجود، نحو الفعل، أي الوجود الذي تلعب الذات دورًا في تنوعه وتشخيصه.
ولنذكر الآن هذه النصوص الثلاثة التي تعبر بوضوح عن مفهوم الموجود عند ابن سينا.
"إن الموجود، والشيء، والضروري، معانيها ترتسم في النفس ارتسامًا أوليًا، ليس ذلك الارتسام مما يحتاج إلى أن يجلب بأشياء أعرف منها. (....) . وأولى الأشياء بأن تكون متصورة لا نفسها الأشياء العامة للأمور كلها، كالموجود، والشيء، والواحد وغيره. ولهذا ليس يمكن أن يبيّن بشيء منها لا دور فيه البتة أو ببيان شيء أعرف منها. ولذلك من حاول أن يقول فيها شيئًا وقع في اضطراب، كمن يقول: إن من حقيقة الموجود أن يكون فاعلًا أو منفعلًا، وهذا إن كان ولابد فمن أقسام الموجود والموجود أعرف من الفاعل والمنفعل (21) ".
"إن الموجود لا يمكن أن يشرح بغير الاسم، لأنه مبدأ أول لكل شرح، فلا شرح له: بل صورته تقوم في النفس بلا توسط شيء. وهو ينقسم نحوًا من القسمة إلى جوهر وعرض (22) ".