فهرس الكتاب

الصفحة 1354 من 23694

لقد ميز ابن سينا بوضوح بين الموجود من حيث هو موجود والموجود الأول الذي هو جوهر مفارق وفعل محض. وهذا التمييز أساسي ورئيسي في دراسة الموجود وإدراكه. إذ أنه لابد لنا من تحليل الموجود من حيث هو موجود، من أجل التوصل إلى العلل والمبادئ الخاصة، وذلك لاستحالة تحليل الموجود الأول والجواهر المفارقة لكونها حقائق بسيطة. فالموجود من حيث هو موجود يحتاج إلى تحليل وتشعيب، أما الجواهر المفارقة، فإنها لا تحتاج إلا إلى إدراك وتأمل، لأنها خارجة عن كل تحليل. فليس الموجود من حيث هو موجود هو ما ينهي وما يختتم به الفيلسوف معرفته، وإنما هو ما يسمح له بكشف حقيقة العقل وحقيقة الله.

فدراسة الموجود من حيث هو موجود هي حتمًا تحليل الموجود إلى أنواعه المقومة له وإلى علله أي أحواله التي تحمله نحو الكمال والتمام. وهذا التحليل يؤول ضرورة إلى الذات لاستحالة وجود أي عنصر أو أية علة أكثر معقولية منها.

يستعمل ابن سينا كلمة"موجود"، ليدل بها على ما يوجد من الأشياء خارجة عن الزمان والحركة والصيرورة، ذلك لأن الموجود هو ما يقابل المحسوس. أما"الوجود"، مصدر تلك الكلمة، فإنه يدل على الفعل الذي به تتحقق ذوات الموجودات. كما وأنه استعمل مرادفًا للموجود:"الوجود ههنا هو المطلق الذي يحمل على الوجود الذي لا علة له، وعلى الوجود المعلول المقول بالتشكيك والمحمول على أشياء مختلفة بالتشكيك، لا يكون نفس ماهيتها، ولا جزءًا من ماهيتها، بل إنما يكون عارضًا، فإذن هو معلول مستند إلى علة، ولذلك قال الشيخ: في الوجود وعلله (19) ".

وقد استخدم ابن سينا مقابل هذين التعبيرين، الموجود والوجود، تعبير"الكون"الذي هو مصدر الفعل"كان".: وهذا التعبير يدل على الكائن المحدث المرتبط بالصيرورة والحركة. وهذا هو موضوع العلوم الطبيعية كما لاحظنا ذاك من قبل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت