وفي الواقع، فإن ميتافيزيقا أرسطو هي، معًا ، علم انطولوجي وعلم إلهي، ذلك لأن الموجود بمعناه المطلق، أي الموجود من حيث هو موجود، هو نفسه العقل المحض، أي الله. بيد أن الميتافيزيقيا تدرس كل الموجودات بما فيها من الموجودات الحسية (16) ، والموجودات الرياضية (17) ، في كل مستوياتها، وذلك لتحديد مبادئها وشروط كونها موجودات. وهكذا فإن الموجود، من حيث هو موجود، هو موضوع للعلم الميتافيزيقي الذي هو العلم السامي والعلم الكلي معًا.
وبكلمة واحدة فإن الميتافيزيقا الأرسطية تقع، بسبب الحقيقة المطلقة لموضوعها في قمة العلوم النظرية. فمجالها إذن هو الموجود من حيث هو موجود بغض النظر عن كل أنواع العلاقات، أي الموجود بكماله وتمامه، أو بالأحرى الصورة المحضة المفارقة والأبدية، وهكذا فإن مجالها لا يمكن أن يقتصر على جزء معين ومحدد من الموجود.والميتافيزيقيا أولى وكليّة معًا:فهي أولى، لأنها تدرس الموجود الأول الذي هو جوهر بسيط وفعل محض، وهي كليّة لأن الموجود الأول أساس لكل الحقائق الأخرى. إن درجة واقعية أي موجود من الموجودات تقاس بتحوله من القوة إلى الفعل. ولما كان الموجود الأول فعلًا محضًا خاليًا من مفهومي القوة والنقصان، فإنه الوحيد الواقعي مطلقًا. وينتج عن ذلك أن الله هو نفسه موضوع الميتافيزيقيا التي تستحق أن يُطلق عليها العلم الإلهي والتي بها ترتبط كل العلوم الأخرى، وذلك لأن العلوم النظرية تتشعب بحسب طبيعة موضوعها، ولأن مكانتها في تسلسل المعرفة المحضة تتحدد بحسب درجة واقعيتها (18) .
رغم ابتعاد كل من الفيلسوفين العربيين، ابن سينا وابن رشد، عن المفهوم الأرسطي لموضوع العلم الميتافيزيقي، يبقى موقف ابن سينا، على ما يبدو لنا ممّا سبق أقرب إلى أرسطو من موقف ابن رشد.
معنى الموجود وإدراك العقل له