ولكن هل الميتافيزيقيا هي علم الموجودات بشكل عام، أي علم كلي يدرس الموجود، أم هي علم جزئي يدرس المحرك الأول، أي الله؟ وهنا يظهر التنازع الحقيقي بين مفهومين أساسيين: إما أن تتطابق الفلسفة الأولى مع شروط كلية العلم، وبهذه الحالة تستغرق كل العلوم الجزئية، ويطلق عليها العلم الانطولوجي، وإمَّا أن تكون هي نفسها العلم الإلهي الذي يدرس المحرّك الأول، أي الله.
ويعتقد تريكو Tricot أن هذين المفهومين يذوبان كليًا في وحدة نظام أرسطو المتماسك تمامًا (14) . ويستند تريكو في قوله إلى الحل الذي تركه لنا أرسطو في المقالة السادسة من كتاب مابعد الطبيعة: فإن كان ثمة جوهر غير متحرك، فمن المفروض أن يكون هذا الجوهر متقدمًا على الجواهر الطبيعية، وبالتالي أن يكون العلم الذي يدرس هذا الجوهر متقدمًا على العلوم الطبيعية. وهذا العلم هو الفلسفة الأولى، ولما كانت أولى، فهي كلية، وعلى هذه الفلسفة،"اعتبار الموجود من حيث هو موجود، أي اعتبار ذاته والمحمولات التابعة له من حيث هو موجود" (15) .
ويتابع تريكو قائلًا: إن الموجود الأول ليس شيئًا مغايرًا للموجود من حيث هو موجود، ذلك لأن الجوهرية الحقيقية، موضوع الميتافيزيقيا، لا تتحقق إلاَّ في الموجود الأول المجرد من كل قوة. فلكل موجود مكانته المعينة في تسلسل الصور التي ترتقي من الأفراد والجزئيات المختلطة بالماء والقوة حتى تصل في النهاية، إلى الفعل المحض الإلهي البريء تمامًا منهما. وهذا الفعل الإلهي هو الوحيد الواقعي بشكل مطلق، وهو في سموه وعلوه مصدر كل وجود في العالم الأرضي وغايته فمعرفة الله هي معرفة كل الجواهر الجزئية، لأن هذه الأخيرة لا توجد ولا تعقل إلا عن طريق صورها المشدودة نحو الله، أي نحو خيرها الأعظم، وهكذا فإن المرتبة الخاصة لتلك الصور، في الوجود، تتحدد عن طريق ارتباطها في المبدأ الأول.