وبعد أن كثر المعترفون به من أمثال أحمد مكي الأنصاري (57) الذي عدّ الفراء مؤسسه، وفتحي الدّجني (58) الذي عزا نشأته إلى زيارة سيبويه لبغداد في النصف الثاني للهجرة ظهرت أوسع دراسة لهذا المذهب عقدتها د.خديجة الحديثي في الجزء السابع من موسوعة حضارة العراق أماطت فيها اللثام عن تاريخ نشأته وأسهبت في إظهار خصائصه ومزاياه وقسمت شيوخه ثلاثة اتجاهات هي: اتجاه من ظل بصريًا واتجاه من ظل كوفيًا، واتجاه من خلط المنهجين" (59) . وجديد هذه الدراسة إسهابها في ترسيخ خصائص المذهب البغدادي إذ عدت لهم إحدى عشرة خاصة هي على التوالي: الخلط بين المذهبين المتقدمين، وكثرة لجوئهم إلى التحليل والتعليل والحجاج والجدل المصحوب بالاستدلال، واعتمادهم التقدير في العبارات والشواهد الفصيحة والآيات القرآنية التي يوحي ظاهرها بالخروج عن الكثير المطرد في كلام العرب، واعتمادهم التفريع والتجزئة عندما قسموا الموضوع إلى أجزائه وحدّوا كل جزء منها، وتأثر بعضهم بألفاظ أهل المنطق والفلسفة، واهتمام بعضهم باختيار الفصيح من المسموع بعد التثبت منه ومن فصاحة الناطقين به، واهتمامهم بمسائل التدريب، وإيثار كل شيخ من شيوخهم مصطلحات المذهب الذي يميل إليه، واهتمام بعضهم بالعامل النحوي ووضع أحكامه وتفصيل أصوله، وابتكار آراء خاصة لم يسبقوا إليها، والقياس أحيانًا على الشاهد الواحد الفصيح المسموع. فهل تكفي هذه الخصائص والمزايا للقول بمذهب متفرده أو أن المكابرة تبقى سيدة الموقف؟"