لا غرابة في أن يعود المخزومي سنة 1974 عن رأي قاله سنة 1953؛ ولكن الغريب حقًا أن يثبت في الكتاب عينه ما كان قد أنكره فيه قبل صفحات. ها هو ذا يعنون فصلًا من فصول كتابه بما يأتي: خصائص المذهب البغدادي (38) . ولا يشفع له بإثبات هذا العنوان قوله بعده مباشرة (39) "ولا بد لكي نرسم خطوط المذهب البغدادي (الكوفي) ..."لأنه ألغى المذهب الكوفي سابقًا. وعاد في كتابه هذا مرارًا إلى إثبات مصطلح الدرس البغدادي فهل كان العنوان الآنف ذكره (خصائص المذهب البغدادي) من قبيل بدل الغلط أو زلة لسان تفصح عن حقيقة مستكنّة يريد صاحبها قمعها وكبتها لغاية من الغايات؟
خامسًا- شروط المعجمات والموسوعات لقيام (مدرسة أو مذهب) :
لا شك في أن الدراسات الحديثة تستقي كثيرًا من المعجمات والموسوعات وتعرض على شروطها الوضع القائم لتحكم بتوافر شروط المعجمات فيه أو عدم توافرها ليكون حكمها في النهاية محصّنًا ومتينًا ومتماسكًا. لهذا رأيت ضرورة العودة إلى المعاجم الموثوقة والموسوعات الأجنبية التي كانت منهلًا لها في المصطلحات الفكرية العالمية لتحديد مصطلحي"مدرسة"و"مذهب"ولمعرفة مدى توافر الشروط في المدرسة البغدادية أو عدم توافرها.
1-المعجم الوسيط:
أقر مجمع اللغة بالقاهرة تعريفًا للمدرسة يقول (40) :"المدرسة: جماعة من الفلاسفة أو المفكرين أو الباحثين، تعتنق مذهبًا، أو تقول برأي مشترك"كما أقر تعريفًا للمذهب مفاده (41) :"أنه مجموعة من الآراء والنظريات العلمية والفلسفية ارتبط بعضها ببعض ارتباطًا يجعلها وحدة منسقة". وانطلاقًا من هذين التعريفين يمكن التأكيد بما لا يقبل الشك أن الدرس النحوي في بغداد قد توافرت فيه شروط المدرسة أو المذهب لأن البغداديين جماعة من النحاة يقولون برأي مشترك مفاده التحرر من التطرف، وخلط المذهبين، وانتهاج الاعتدال، إلى جانب إقرارهم قواعد مميزة في أصول النحو من سماع وقياس وما إلى ذلك مما سنحاول توضيحه لاحقًا.