بدأ د.زهران باتهامهم بغياب المنهج- كما رأينا- ثم تراجع معترفًا بأن منهج البصريين والكوفيين واحد. وعاب هذا المنهج لتأثره بالمنطق، ونسي أن النحو كان منطق العرب قبل أن يتعرفوا منطق اليونان. ثم لنفترض أن النحو متأثر بالمنطق الأرسطي فالمنطق يسدد الدراسة، ويوضح الخطوات، ويجعل طرق البحث مستقيمة لا لبس فيها ولا غموض، ويكفل للمنهج ترابطه عبر خطوات البحث المتلاحقة. ألا يكفي المنطق بما فيه من مقدمات وقياس وتعليل وتأويل ونتائج لبناء هيكلية موحدة للبحث؟ فلماذا يتهمهم بعدم وجود المنهج وهو الذي يعترف أن خلافاتهم لم تخرجهم عن إطار دائرة المنهج الواحد؟
أما اختلاف الآراء وتباينها ضمن المذهب الواحد فهو من طبيعة التجمع البشري؛ فليس في المجتمع شخصان متفقان في آرائهما بحيث يكون الواحد منهما صورة طبق الأصل عن الآخر. وما العيب في وجود آراء فردية ضمن المذهب المتماسك؟ ألم يؤلف المعتزلة فرقًا متعددة تنضوي جميعًا تحت لواء الاعتزال؟ ألم يعتمدوا هم جميعًا العقل حتى جعلهم اعتمادهم هذا فرقًا متعددة؟ ألم يؤلف الرومانسيون تيارات شخصية متعددة ضمن المذهب الرومانسي؟ وهل كانت كلاسيكية الكلاسيكيين واحدة؟ ألم نشهد اليوم تيارات متعددة في الحزب السياسي الواحد؟ فهذه الأجنحة والتيارات داخل المذهب الفكري ليست بالضرورة عيبًا وعامل انقسام بل هي في أكثر الأحيان عوامل إغناء له لأنها تغنيه من الداخل، وترفده بمخزون فكري متنام يوفر له عوامل الاستمرار، فلا تخرّب خطّه الفكري العام، ولا تقوّض أركانه ولا تقضي عليه. والتساؤل الذي يطرح نفسه في نهاية المطاف: هل يكفي الاعتراف بالوجود المكاني- دون سواه- لمدارس النحو للقول إنها غير موجودة؟
جـ-د.محمد كمال بشر: