يبدو أن خلط آراء المذهبين لم يرق للقدامى الذين رأوا أن مبدأ الاصطفاء لا ينهض بقيام تيار نحوي جديد. ولهذا رأينا الزبيدي (ت 379هـ) يتجاهل البغداديين، وحذا حذوه معاصره ابن النديم (380هـ) . والناس بأزمانهم أشبه منهم بآبائهم كما يقول الجاحظ. وأرى هنا ضرورة الوقوف وقفة متأنية نناقش فيها موقف اثنين من كبار مصنّفي كتب الطبقات عند العرب.
أ-محمد بن الحسن الزُّبيدي (ت379هـ) :
صنّف الزبيدي كتابه طبقات النحويين واللغويين تلبية لطلب الخليفة الأندلسي المستنصر بالله (1) ، وذكر فيه"النحويين على طبقاتهم واللغويين بعدهم"وقدّم"البصريين من كلتا الطبقتين لتقدّمهم في علم العربية، وسبقهم إلى التأليف فيها (2) "والغريب أن الزبيدي ترجم فيه على التوالي للبصريين والكوفيين والمصريين والقرويين (الأفريقيين) والأندلسيين، ولم يترجم للبغداديين. ويبدو أن سبب استبعادهم عائد إلى عدم قدرتهم على تأليف مذهب مستقل. فلقد قال في ترجمته لابن كيسان (ت 299هـ) : (3) "وكان بصريًا كوفيًا، يحفظ القولين، ويعرف المذهبيين"ترى هل أهمل ذكر البغداديين لأنهم كانوا بصريين كوفيين؟ وهل كان المطلوب من بغداد أن تحدث مذهبًا ثالثًا معاديًا للمذهبين السابقين لتكون لها مدرسة يعترف بها الزبيدي؟ وإذا كان هذا سبب إغفال البغداديين فلماذا ترجم للمصريين والأندلسيين وهم الذين تابعوا البغداديين في اصطفاء الأفضل، والخلط بين آراء المدرستين الأوليين؟ والأغرب أن الزبيدي حشر ابن كيسان في صفوف الطبقة السادسة من الكوفيين على الرغم من قوله (4) :"وكان ميله إلى مذهب البصريين أكثر". فالذين أنكروا وجود مدرسة بغداد كانوا يصنفون علماءها بين الكوفيين أو البصريين، ومعيار التصنيف عندهم غلبة أحد المذهبين على آراء المصنِّفين. والزبيدي صنف ابن كيسان بين الكوفيين على الرغم من اعترافه بغلبة مذهب البصرة على آرائه النحوية. أليس في هذا التصنيف ما يدعو إلى العجب؟