فهرس الكتاب

الصفحة 13547 من 23694

قال الأقدمون بوجود مدرستي البصرة والكوفة النحويتين، وتابعهم في ذلك جلّ المحدثين حتى صار وجودهما من المسلّمات التي لا يجادل فيها إلا المكابرون. أما مدرسة بغداد فليست قائمة في نظر بعض الدارسين القدامى لأنها لا تملك نهجًا خاصًا، ولم تقدّم جديدًا في دراساتها النحوية، وجلّ ما قامت به في نظرهم قضاؤها على التطرّف في التحزّب لإحدى المدرستين الأوليين، وكأن صراع الضدّين لا بدَّ من أن ينتهي إلى وجود موقف تلفيقي وتوفيقي يجمع بين الرأيين، ويقرّب ما بين المنهجين. بغداد إذًا لم تضف جديدًا بل كسرت جليد العداوة الصفيق، وتركت للدارسين حرية الاختيار واصطفاء الأفضل؛ لكن أليس في هذا الاصطفاء إعمال للعقل، ووضع للقديم على مشرحة البحث والتقويم والغربلة؟ تأخر تمصير بغداد فتأخر دورها في الدراسات النحوية، لكن لا بد للعاصمة من استقطاب النخبة، ولا بد للنخبة من أن يولوا وجوههم شطر العاصمة؛ لأن ما تقدّمه العاصمة- وعلى مرّ العصور وكرّ الدهور- للنخبة الأفذاذ لا تستطيع أن تقدمه لهم الأطراف مهما كان موقعها الفكري والسياسي عظيمًا وعريقًا ومتقدمًا. هذا سبب من أسباب انتقال الدرس النحوي إلى بغداد. غير أن هذا الانتقال ترك آثارًا إيجابية في توجيهه وتسديد مسيرته. فالمناظرات النحوية، وجلسات الحوار المفتوح بين شيوخ المدرستين الذين غصّت بهم بلاطات الخلفاء والوزراء والأمراء قد نبّهت الطرفين إلى أهمية الحوار، ودوره في تضييق فجوة الخلاف، وإلى ترسيخ اقتناع جوهري بنسبية الحقائق، وإلى ضرورة القضاء على أسباب العداوة والتباعد بعد أن بلغا من العمر عتيًّا.

ثانيًا- موقف القدامى من مدرسة بغداد:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت