ألم يكن كشفه للموجود إلى فرعين أساسيين: الأول يؤول إلى نسقٍ من الماصيات، وبالتالي إلى نظام صوري، والآخر يؤول إلى الغاية التمامية؟ ألم تكن أقسام الموجود تطبيقًا لنظرية أرسطو"لما هو بالقوة ولما هو بالفعل"؟ ألم يكن لهذه الأقسام بداية انطلاق وغاية تمامية بشكل نختبر معه الأولى أي بداية الانطلاق، وبالتالي نتجاوزها بوساطة"القوة والفعل"، للوصول إلى الثانية التي هي الغاية التمامية؟ ألم يطرح هذا السؤال:"أتوجد حقيقة أسمى من الحقائق المختبرة؟".. من قبل هذا الفيلسوف العربي؟! ألم يكن فيلسوف التراث العربي أفلاطونيًا في نفسه، أرسطيًا في عقله، ومسلمًا حقيقيًا في إيمانه وبيئته، هذا كله مع احتفاظه بأصالته وهويته؟
إن كلَّ هذه الأسئلة تقود، في أعماقها، إلى التساؤل عن حقيقة الموجود وذاته. فالميتافيزيقيا الواقعية التي يعتمدها العقل، عن طريق التساؤل، لا يمكن أن تكون إلا ميتافيزيقيا الموجود، ولكن ماهو الموجود؟ لا يوجد أي شيء أصح من قولنا: إن الموجود هو ما يوجد، ولكن المصاعب تعترضنا من كل مكان عندما نبدأ بتحديد المعاني التي يمكن حملها على كلمة"يوجد". وذلك لأنه يلزمنا للإجابة عن السؤال، بشكل دقيق وملائم، أن نكون قادرين على قياس الموجود وتجاوزه، وهذا أمر مستحيل، لذا فإننا لا نستطيع حل هذه المسألة إلا ضمن نطاق البحث الميتافيزيقي للموجود.
أقسام العلوم الفلسفية
والآن ماهو العلم الميتافيزيقي عند ابن سينا؟.. لابد لنا هنا من تحديد موضوع العلم الميتافيزيقي، وبالتالي تحديد موضوع كل علم من العلوم لمعرفة"البعدية والقبلية"، فيما بينها، تكون العلوم إما عرضية كالطب والزراعة،وإما أصلية: كالعلوم العملية التي هدفها الخير العام، وكالعلوم النظرية التي هدفها معرفة الحقيقة، وكالمنطق الذي هو وسيلة قانونية في خدمة العلوم الأخرى (2) .