فهرس الكتاب

الصفحة 13460 من 23694

إن المفتاح الذي فتح الباب إلى عالم ابن يسير الشعري، هو نفسه الذي سيفتح لنا إلى طرائق بناء القصيدة عنده ومكوناتها الفنية. إنه لم يكن يكتب الشعر منافسًا أو مادحًا يكتسب بل كان يكتب لنفسه أولًا وليصور مسارات حياته اليومية ثانيًا، ولذا فإنه كان يسلك إلى القصيدة أول طريق يصادفه دون أن يكلف نفسه عناء التجويد أو التحبير، مع أنه يفصح في شعره عن عالم عليم باللغة، متمكن منها، مأنوسها وغريبها، عليم بضروب الشعر وفنونه. به إنه كان واحدًا من مصادر الجاحظ الشعرية في بيانه وحيوانه.

فعلى صعيد الشكل الفني لم يسلك ابن يسير سبل الأقدمين في بناء القصيدة بل ابتعد تمامًا عما يسمى (هيكل القصيدة) . إنه لا يستفتح بالغزل ولا يقف على الأطلال، ولا يصف رحلة ولا ناقة ولا صيدًا، ولا ينتقل من غرض إلى غرض، كما أنه لا يجاري معاصريه بالاستفتاح بالخمرة أو الحكمة أو التأمل بل كان يهجم على موضوعاته هجومًا مباشرًا وبلا مقدمات. وما حاجته إلى المقدمات وهو لا يكتب (القصيدة) بل يبني على نظام (المقطوعة) سواء أطالت هذه المقطوعة أم قصرت؟ إنه واحد من شعراء (المدرسة البغدادية) التي تبنّت نظام المقطوعة الشعرية في التعبير عما تريد التعبير عنه. ولقد كانت هذه المدرسة لونًا من ألوان التطور الذي وصل إليه الشعر في العصر العباسي، وهذا اللون من الشكل الفني يناسب ابن يسير الشاعر الذاتي الوجداني، وينسجم مع فلسفته الحياتية التي تجنح إلى البساطة في كل شيء.

مرة واحدة فقط شذّ عن هذه القاعدة حين استفتح قصيدته في هجاء شاة منيع البقال بوصف بستانه، أما ما عداها فمقطوعات شعرية لا تلتزم منهج القصيدة المألوف عند سابقيه ومعاصريه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت