على أن أجمل ما قاله في هذا الضرب من الشعر، قصيدته في مديح الكتب وما تقدمه للإنسان، ويمكن اعتبارها من مطولاته لأن أبياتها بلغت ثمانية عشر بيتًا. فالكتب -كما يرى ابن يسير- عالم ساحر يدخله الإنسان مغلقًا عليه بابه فلا شكوى ولا شغب بل أنس كله لا يخاف الإنسان أذاه، إن الكتب تقدم لنا العلم والمعرفة وتروي لنا آثار الأولين وحكمتهم وأدبهم وإن الإنسان لا يموت إذا ترك لمن بعده أدبًا يكتسب منه. وتلك لعمري نظرة عالية إلى الكتب والكتّاب. يقول: (96)
هُمْ مُؤنسونَ وأُلاَّفٌ غَنيتُ بهمْ
لا بادرات الأذَى يلقى رفيقُهُم ... ولا يلاقيه منهمْ مَنْطِقٌ ذَرِبُ
أبْقَوْا لنا حِكَمًا تَبْقَى مَنَافِعُها ... أخْرى اللّيالي على الأيامِ وانْشعَبُوا
يمكننا القول الآن وبكثير من الاطمئنان أن محمد بن يسير الرياشي شاعر ذاتي وجداني يصدر في شعره عن فلسفة حياتية واضحة تقوم على الإقبال على الحياة بهدوء ويُسر ودعةٍ وتواكل بعيدًا عن الصدام أو النزاع مع الآخرين، وقد كان في شعره جُلِّه، إن لم يكن كله، مصورًا لهذه الفلسفة من خلال رصده لمواقفه الحياتية وتوثيقها في عالمه الشعري. ... حتَّى انْبَسَطْتُ إليكَ ثم قَبَضْتَني
إنه شاعر مسالم لا مصادم، وكم كان جميلًا حينما عاتب صديقه أحمد بن يوسف على جفوة كانت بينهما عادَّا إياه في الموتى الأحياء لأنه أمات الصداقة بينهما (97) ، وكم كان أجمل حينما تغاضى عن جفاء صديقه الهاشمي ومدّ يده إليه داعيًا إلى حياة جديدة وصفحة جديدة، حين قال (98) :
قد كُنتُ مُنْقَبِضًَا وأنتَ بَسَطْتَني
فَهَلُمَّ نجتذبُ التَّذاكرَ بيننا ... ونعودُ بعدُ كأننا لم نَفْطَنِ
إنه شاعر وديع يصدر في حياته كلها عن فلسفة النفس المتواكلة الوادعة المطمئنة. ... وانْثَنَتْ نحوَ عَزْفِ نَفْسٍ ذَهُولِ
5-البنية الفنية: (الشكل وأساليب التعبير) .