والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: هل ترك ابن يسير جديدًا في موضوعاته الشعرية، لم يقل فيه الشعراء من سابقيه؟ أقول: بلى، لقد ترك ابن يسير جديدًا، ويمكن أن نُفَرِّعَه إلى فَرعين اثنين. أما الأول: فبساطة الموضوعات التي تناولها في شعره، وكل الأنموذجات التي عرضتها آنفًا تصلح شاهدًا لذلك؛ هذه الموضوعات التي يندر أن نجد شبيهًا لها في شعر الشعراء الكبار الكثيرين من معاصريه، الذين استغرقهم شعر القصور فأنفوا من تناول مثل هذه الموضوعات. وما أظن أن ابن يسير نسيجُ وحده في هذا، بل إننا واجدون له أضرابًا في الشعر العباسي وما تلاه، ولكن من غير الذين نصنفهم في دائرة الفحولة الشعرية.
وأما الفرع الثاني من جديده فهو الكتب، وهو العالم السحري الذي عاش ابن يسير في أجوائه، بل تكاد تكون الموضوع الوحيد الذي تعامل معه بجدية مطلقة في محيط حياته اللاهي المتواكل، ذلك لأنه أراد أن يقدم نفسه عالمًا، أما الشاعر فيأتي عنده في المرتبة الثانية.
لقد أقبل ابن يسير على حلقات الدرس في مساجد البصرة، متأبطًا ألواحه، فاستمع وحاور ودون ما أحب من شعر ونثر، فكان ما تركه لنا من شعر في العلم والكتب وأدوات الكتابة أغزر شعر قاله في موضوع واحد. لقد وصف ألواح الكتابة وصف عاشق متيّم وبكاها بكاءً مرًَّا حين ضاعت منه أو سرقت: (91)
عَيْنُ بكّي بِعَبْرَةٍ تَسْفَاحِ
كما تحدث عن مجالس العلماء وأفصح عن ضيقه وامتعاضه من مجالس المتكلمين من أهل الجدل (92) ، وتحدث عن طرائق التعامل مع العلم فأشاد بالاعتماد على الذاكرة والفهم (93) : ... فَذَاكَ ما فَازَ بهِ سَهْمي
ما دَخَلَ الحَمَّامَ مِنْ عِلْمِي
كما افتخر بذكائه وسرعة حفظه واستغنائه عن التدوين (94) ، ثم نقض موقفه السابق فدعا إلى التدوين وتجويد الخطوط (95) ، وحث العلماء على أن يعملوا بعلمهم ويتخلّقوا به. ... فليسَ لي في أنيسٍ غَيْرهمْ أرَبُ