هل يبكي ابن يسير صديقه داود؟ إنه يبكي نفسه التي افتقدت داودها في لحظات الخطر ففقدته. ومهما كان رأيك بهذا الرثاء، فإن رثاء طريف صادق، والصدق سمة هامة من سمات شعر ابن يسير، نفتقدها عند كثيرين من معاصريه من شعراء المديح. ... ناضرُ الخضرة ريّان تَرِفْ
وتلتقي مع سمة الصدق هذه، قصيدته في هجاء شاة منيع البقال، هذه القصيدة التي بلغ عدد أبياتها واحدًا وخمسين بيتًا، وهو الشاعر المقل الذي لم يصلنا له شعر مطول سوى هذه القصيدة، وقصيدة أخرى تدخل في هذا الضرب من الشعر الهجائي، يدعو فيها على حمام ابن أبي عمرو المديني بالهلاك بعد أن طلب بعض فراخ الحمام الهُدّاء فدلّس عليه وأعطاه فراخًا رديئة الأصل (89) يستفتح ابن يسير قصيدته في هجاء شاة منيع بوصف بستانه الذي كان له في بيته: (90)
ليَ بُستانٌ أنيقٌ زاهرٌ
وقد استغرق وصف البستان منه ستة عشر بيتًا. ثم ينتقل في بقية النص إلى الدعاء على شاة منيع ونبذها بأشنع الصفات والألقاب، ذلك لأنها أكلت بستانه وثنت بكتبه ومدوّناته، فتخيل كم يكون حجم هذا البستان الذي تستطيع شاة هزيلة أكله ثم لا تشبع به فتملأ معدتها بالكتب والمدونات؟ ومع ذلك فإن الكارثة كبيرة جدًا عند ابن يسير، وهو صادق مع نفسه، وما طول القصيدة سوى ضرب من تأكيد صدقه وإحساسه بفداحة الخطب. وفي ظني أن المأساة عنده ليست في تلف البستان بل في ضياع الكتب والمدونات، وهو العالم الشاعر، وإذا أردت أن تعيش هذه اللحظة الشعرية الشعورية التي عاشها ابن يسير فتخيل أن مكتبتك التي قضيت عمرك في جمعها قد تلفت دفعة واحدة! ... وأقيمي مَآتِمَ الألْواحِ