ولقد وصف ابن يسير الخمرة؛ وصف مجالسها وآثارها فيه، ووصف مراحل صناعتها. ولكن غايته لم تكن الخمرَةَ عينَها، بل كان وصفُ الخمرة وصناعتها مُدخلًا لموقف حياتي، إنه مُدخل للاستسقاء وطلب الخمرة من الآخرين. إنه يحب الخمرة وما بات يومًا قط إلا وهو سكران كما صرح ابنه (85) ولكنه لا صبر له على صناعتها وافتضاح أمره أمام الجيران عند نقل الدنان، فأخذ على نفسه ألا يصنع خمرة بل يستسقيها من أصدقائه ومعارفه كما يقول: (86)
كَمْ في عِلاجِ نَبيِذِ التَّمْرِ لي تَعبُ
وفي اعتقادي أن الرثاء والهجاء هما اللونان اللذان يمثلان فلسفة ابن يسير وشعره المصورَ لمواقفه الحياتية خير تمثيل؛ يمازجهما شيء من الحكمة والتأمل لا يبتعد أبدًا عن الفلك الذي يدور فيه شعره، فهو في حكمته يدعو إلى الصبر والتواكل. لقد رثى ابن يسير قصر النوشجاني، (87) وبكى ألواح الكتابة التي كان يحضر بها مجالس العلم ويدون عليها ما يحب؛ بكى هذه الألواح عندما عبث به قثم بن جعفر وسرقها منه، ورثى نفسه في قصيدة مشهورة أبكت الحضور جميعًا عندما أنشدها في مجلس أبي محمد الزاهد. ولكن رثاءه لصديقه داود ضرب مختلف. وداود هذا صديق لابن يسير كان يعاشره، وكانا يحضران معًا مجالس الشراب والقصف والغناء، ويعودان معًا في أواخر الليل، فكان ابن يسير يجعل داودَ، يسير أمامه مُتَّقيًا به ظلمة الليل وأذى الطريق. عندما مات داود لم يرثه ابن يسير، ولكنه عندما انصرف ذات ليلة إلى بيته وهو سكران، فعثر بدكان وتلوث بطين ودخل برجله عظم ولقي عنتًا شديدًا، تذكر داودَ صديقَه الذي كان يتلقّى عنه كل هذا الأذى، فبكاه: (88) ... ثوب الدُجَى فَهْوَ فوقَ الأرض ممدودُ
أقولُ والأرضُ قد غَشَّى وجَلَّلَها
مَنْ لي بداودَ في ذيِ الحال يُرشدُني؟ ... مَنْ لي بداودَ؟ لَهفي أين داود؟
لَهْفِي على رجْلِهِ ألاّ أقدِّمَها ... قُدَّامَ رجْلِي فتلقاها الجَلاميدُ