لا يُساوي عندَ التَّأمُّلِ والتَّفْتيش يومًا في النَّاسِ كَفَّ تُرابِ
كما هجا الأمير يوسف بن جعفر لأنه عربد عليه وشجّه في مجلس من مجالس الخمرة (80) ، وهجا الفلاسفة والمتكلمين لأنه ضاق بجدالهم المستمر وخصوماتهم التي لا تنتهي في حلقات المساجد، كما هجا صديقه أحمد بن يوسف الكاتب في جفوة بينهما، فعيّره بحبه لجارية سوداء مغنية (81) ، وهجا زوجته التي ضاق بقبحها وطول صحبتها (82) ، وتوّج ذلك كله بهجاء نفسه في مجلس الأمير والي البصرة.
ويبدو أن المرأة لم تحتل حيّزًا واسعًا في عقل ابن يسير وشعره، على الرغم مما أُثر عنه من تردد على دور اللهو وحضور مجالس الغناء والشراب.
وعلى الرغم من تصريحه بحبه لقينة من قيان أبي هاشم بالبصرة وتحوله إلى إنسان خليع وهجره لزوجته رادًا على عتابها له (83) :
لا تَذْكُري لَوْعةً إثْرِي ولا جَزَعَا
ما تصنعينَ بعينٍ عنكِ قَدْ طَمَحتْ ... إلى سِواكِ وقَلْبٍ عنكِ قد نَزَعا
ومَنْ يُطِيقُ خَلِيعًا عندَ صَبْوَتِهِ ... أمْ مَنْ يقوم لمستورٍ إذا خَلُعا؟
إنه يفصح عن خلاعته ومجونه بلا خجل أو مواربة. ... كفَّاك أطْيَبُ يا حبِّي من الطّيب
ويبدو أن أخلاق العلماء وجفاءهم قد تركا فيه أثرًا ليس باليسير، على أننا واجدون في شعره مقطوعة يتغزل فيها بإحدى الجواري قائلًا: (84)
يا باسطًا كَفَّه نَحْوي يُطَيّبني
وتبقى أيبات هذه المقطوعة الأربعة في إطار الشعر الذاتي لأنها لم تجاوز فم ابن يسير إلا إلى أذني جاره أبي الشبل، لم تسمع الجارية ولم يسمع من في المجلس. ... الطَّبْخُ والدَّلكُ والمِعْصَارُ والعَكرُ