أما على صعيد البنية الفنية في شعره فإن ابن يسير ينسب إلى (مدرسة الطبع) إذا أردنا له أن ينتمي إلى مدرسة شعرية معينة. ذلك لأنه لم يكن يعنى بتجويد شعره أو تصنيعه كما أنه لم يكن يعنى بتنقيحه، لأن همه لم يكن ينصرف إلى فنية الشعر بقدر ما كان ينصرف إلى الموضوع الذي يريد التعبير عنه. وكما كانت موضوعاته بسيطة أحيانًا، ساذجة أحيانًا أخرى، فإن أساليبه في تناول هذه الموضوعات كانت بسيطة، وساذجة أحيانًا، بل إنه يكاد يتحدث في بعض مقطوعاته بلغة بسيطة جدًا تقترب من لغة الحديث اليومي كما في مديحه لوالي البصرة (99) كما كان يستخدم في بعض شعره ألفاظًا متنافرة بعيدة عن الانسجام، لأنه ما كان يدقق كثيرًا في اختيار ألفاظه. اقرأ قوله في عتاب أحمد بن يوسف (100) :
لم يَضِرْها، والحمدُ لله، شيءٌ
إن شطره الثاني متنافر مرتبك، وهذا ما دفع الجاحظ إلى الاستشهاد به على تنافر الألفاظ فقال:"فتفقد النصف الأخير من هذا البيت فإنك ستجد بعض ألفاظه يتبرأ من بعض" (101) . كما استشهد به ابن رشيق على تقارب الحروف وثقلها على اللسان فقال:"فإن القسم الأخير من هذا البيت ثقيل؛ لقرب الحاء من العين، وقرب الزاي من السين" (102) . ونحن وإن كنا لا نقع في شعره على نماذج كثيرة من مثل هذا البيت السالف فإننا واقفون على بساطة بسيطة في طرائقه التعبيرية. وكما كان ابن يسير يتناول في شعره الموضوعات البسيطة، فإنه كان يعبر عنها بعفوية فطرية وحساسية عالية، وكانت وسائله التعبيرية إلى ذلك، البساطة والعفوية وقرب التناول والبعد عن التقعر والافتعال والتصنع و الغموض والغوص وراء المعاني والصور.
وإذا كان التصوير والتصنع لا ينهضان بشعره فإن له في صدق المشاعر وفورانها وعفوية الأحاسيس وفطريتها أجنحة قوية تنهض به، ولكنها لا تحلق به عاليًا في سماوات الشعر.
مصادر البحث:
(1) الأغاني/ ج 14/17.
(2) الشعر والشعراء: ج 2/879.
(3) تلخيص المتشابه في الرسم: ج 1/317.