"وحمل الباعة أحمالهم على ظهور البغال في قوافل طويلة، عبروا بها الهضبة الإسبانية وجبال البرانس، وانتشروا بها في أوروبا يبيعونها للطلبة والمترجمين والدارسين".
كانت قرطبة في القرنين العاشر والحادي عشر للميلاد أكبر مدينة أوروبية، ومنارة ثقافية عالمية، وكان فيها مليون نسمة، وعمرانها حجمه مئتان وستون ألف مبنى، وفيها ثمانون ألف دكان وثلاثة آلاف مسجد وثلاثمئة حمام وقصور ومكتبة عامة (15) .
وكانت شوارع قرطبة تضيء بالليل وتحفّها الأرصفة من الجانبين، وأمسياتها غنية بالشعر والغناء والموسيقى، وأسواقها تبيع الكتب التي ينسخها النساخون على الورق ويزينونها بالرسوم (16) .
وينقل ألفريد فرج في مقالته عن الأصول العربية للنهضة الأوروبية، ما قدّره"جيمس بيرك"من أن النساخين والمترجمين استغرقوا مئة وخمسين سنة في نقل الكتب العربية إلى اللغات الأوروبية. ومن هناك، من إسبانيا العربية الإسلامية، بدأت حركة الترجمة المعاكسة عن الحضارة العربية. بلى، لقد صاروا يترجمون عن العربية، كما كان العرب يترجمون بالأمس إلى العربية.
إن الدكتور عبد الرحمن بدوي يطرح مسألة تأثير الشعر العربي الأندلسي في نشأة الشعر الأوروبي الحديث في إسبانيا وجنوب فرنسا (17) . ويرى أن مواد عديدة تنضاف كل يوم لتؤكد هذا التأثير، بل ولتثبت أن الشعر العربي الأندلسي، في الموشحات والزجل قد انطوى على المرحلة الأولى لنشأة الشعر الإسباني نفسه. وقد استخدم شعراء الترو بادور البروفنساليّون الأوائل أقدم قوالب الزجل الأندلسي، كما يظهر في شعر أول شاعر بروفنسالي هو"غيوم التاسع"دوق اكيتانيا، ويعد أيضًا أول شاعر في اللغات الأوروبية الحديثة. وبروفانس Provanve هي من مناطق فرنسا الجنوبية وقد ظهر فيها التروبادور أو الشعراء الجوالون، خلال القرنين الحادي عشر والثاني عشر، وكانوا أصحاب لون ميزهم في الحياة والأدب.