على أن أجمل ما في قصة الترجمة هو انتقال أمرها من الخلفاء إلى أيدي الناس، خارج نطاق السلطة، فإن جماعة من أهل بغداد، بعد أن اطلعوا على الكتب المنقولة إلى العربية، نهضوا واقتدوا بالخلفاء في نقلها، واستخدموا التراجمة، وبذلوا الأموال في البحث عنها وترجمتها (8) . وأشهر هؤلاء ثلاثة عرفوا ببني شاكر أو بني موسى لأنهم أولاد موسى بن شاكر. وإضافة إلى ما سعى إليه هؤلاء في مجال الترجمة، فقد كانت لهم مؤلفات كثيرة في الفلك والحيل - أي: الميكانيك- والهندسة وبرهنوا للمأمون برهانًا محسوسًا على أن محيط الأرض هو أربعة وعشرون ألف ميل (9) .
وكان هؤلاء الساعون إلى الترجمة ينفقون إلى درجة البذخ أحيانًا على التراجمة النسّاخ حتى قارب عطاء محمد بن عبد الملك الزيات ألفي دينار شهريًا.
وكانت الترجمة تتم أحيانًا عبر لغة ثالثة، كأن يكون الكتاب اليوناني مترجمًا إلى السريانية، ثم ينقل منها إلى العربية. فقد نقل حنين ابن اسحاق كتاب"العبارة"لأرسطو إلى السريانية، ثم نقله اسحق إلى العربية. وقد حدث هذا كثيرًا في أثناء ترجمة مؤلفات أرسطو، أما أعمال أفلاطون فقد نقل معظمها مباشرة من اليونانية إلى العربية. ونقلت أيضًا كتب الطبيب اليوناني"أبقراط"وهي عشرة كتب، كما نقلت كتب غالينوس جميعها تقريبًا إلى العربية.
وفي المرحلة نفسها ترجم كثير من الكتب المؤلفة باليونانية، في ميادين علمية كثيرة، ككتب أقليدس وأرخميدس وبطليموس ومنلاوس..
وكان أكثر ما ترجمه العرب عن الهندية، في الطب والرياضيات والفلك، إضافة إلى الأدب طبعًا. وكان ذلك يتم في بعض الأحيان، عبر لغة ثالثة، هي الفارسية. ككتاب"كليلة ودمنة"الذي نقله ابن المقفع عن الفارسية.