فهرس الكتاب

الصفحة 13288 من 23694

على أن تكرار هذه اللفظة في شعر أبي الطيب، لا يمكن أن يكون مما يمر به الباحث مر الكرام.. فقد كان المتنبي ابن القرن الهجري الرابع.. وهو الزمان الذي بلغ فيه ازدهار الحضارة العربية أوجه، وصارت الترجمة فيه إحدى الظاهرات الثقافية البارزة.

ألا يكفي أن الفارابيّ، أبا نصر محمدًا، كان بين الوجوه الحضارية اللامعة في هذا القرن؟

وإذا كانت الترجمة تعني في الأصل نقلًا من لغة إلى أخرى، فإن الفارابي أضفى عليها معنى جديدًا، لعله كان في ما بعد بين العناصر التي ميزت الحضارة العربية في بعض مراحلها.. فإن أبا نصر لم يكن يكتفي بالترجمة، كان يضيف شرحًا وتأويلًا، عارضًا في الآن ذاته، وجهة نظره الشخصية، وهو ما يجعل كثيرًا من أعمال الفارابي أقرب إلى التأليف منها إلى الترجمة.

وهذا ما فعله الفارابي إزاء عدد من كتب أرسطو ويبلغ عددها عشرة بينها كتاب القياس، والبرهان، والجدل، والمقولات العشر والمغالطة (1) .

وعلى المنوال نفسه شرح كتاب"المجسطي"في علم الهيئة كما كان العرب يسمون علم الفلك، وهو لبطليموس. وكتاب"ايساغوجي"لفرفوريوس، وكان في المنطق، وشرح المقالتين الأولى والخامسة من كتاب"إقليدس"في الهندسة وجوامع كتاب"النواميس"لأفلاطون (2) ..

بل إن ابن أبي أصيبعة يؤكد لنا أن الفارابي كان أول من عرّف الفلسفة تعريفًا ظل يؤخذ به قرونًا عديدة فهو يقول: إن معناها إيثار الحكمة وهو في اللسان اليوناني مركب من"فيلا"ومعناها الإيثار ومن"سوفيا"ومعناها الحكمة، والفيلسوف هو المؤثر للحكمة. فلا عجب بعد هذا من أن يسمى الفارابي المعلم الثاني بعد معلم الإنسانية الأول: أرسطو.

لعلنا لا نبالغ حين نذهب إلى القول إن الترجمة حركة إنسانية واكبت ظهور اللغات الصوتية. وإذا كنا لا نملك بين أيدينا أدلة وثائقية على هذه الحقيقة، فإن الاستقراء التاريخي يقودنا إليها لا محالة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت