مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 63 - السنة 16 - نيسان"أبريل"1996 - ذي القعدة 1416
فهرس العدد
الحضارة العَربيّة.. والترجمة - نصر الدين البحرة ... بمنزلة الربيع من الزمان
يتحدث المتنبي في إحدى قصائده عن زيارة له إلى شيراز، مر خلالها في شعب"بوان"وهو المعروف كما يقول الخوارزمي أبو بكر، بأنه أحد أربعة مواضع هي متنزهات الدنيا: غوطة دمشق، ونهر الأبلَّة، وشِعب بوان، وصُغْد سمرقند. وهو يقول:
مغاني الشعب طيبًا في المغاني
ولكن الفتى العربي فيها ... غريب الوجه واليد واللسان
ملاعب جِنَّة لو سار فيها ... سليمان، لسار بترجمان
والحقيقة فإن المتنبي وضع كلمة"الترجمة"وهو يريد بها معنيين اثنين، هما اللذان تؤدي إليهما هذه اللفظة، فقد وجد نفسه بين قوم من الفرس لا يعرف لغتهم أولًا. وبهره الجمال الذي شاهده في شعب بوان ثانيًا، حتى إنه تمنى لو يستطيع أن يجد عونًا من النبي سليمان، كي يتمكن من ترجمة مشاعره إزاء تلك الفتنة الطبيعية الساحرة. ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان
وقديمًا سبق الشاعر الجاهلي أبا الطيب في استخدام كلمة الترجمة للإشارة إلى المعنى الثاني، وهو التبليغ باللغة الواحدة نفسها وها هو ذا يقول:
إن الثمانين وَبُلِّغْتَها
وفي قصيدته الكبرى التي يصف فيها انتصار سيف الدولة الحمداني على جيش الروم في موقعة"الحدث"نراه يورد كلمة"الترجمة"من جديد في أحد أبياتها، وهو الذي يصف فيه الجنود الذين ينتمون إلى قوميات متعددة وقد حشدهم الروم في هذا الجيش العرمرم، الذي كان مؤلفًا من عشرات الألوف: ... وفي أذن الجوزاء منه زمازم
خميس بشرق الأرض والغرب زحفه
تجمّع فيه كل لسن وأمّة ... فما تفهم الحداث إلا التراجم..