"والله إني لو لم أترك مؤاكلة الناس وإطعامهم، إلا لسواء رِعَة علي السواري لتركته. وما ظنكم برجل نهش بضعة لحم تعرُّقًا، فبلع ضرسه وهو لا يعلم. فعل ذلك عند إبراهيم بن الخطاب، مولى سُلَيم. وكان إذا أكل ذهب عقله، وجحظت عيناه، وسكر وسدِر وانبهر، وتربَّد وجهه، وعصِب ولم يسمع، ولم يبصر، فلما رأيت ما يعتريه وما يعتري الطعام منه، صرت لا آذن له إلا ونحن نأكل التمر والجوز والباقلي. ولم يفجأني قط وأنا آكل تمرًا إلا استفَّه سفًا، وحساه حسوًا، وزدا به زدوًا. ولا وجده كنيزًا إلا تناول القطعة كجمجمة الثور، ثم يأخذ بحضنيها، ويقلها من الأرض. ثم لا يزال ينهشها طولًا وعرضًا، ورفعًا وخفضًا، حتى يأتي عليها جميعًا. ثم لا يقع عضبه إلا على الأنصاف والأثلاث. ولم يفصل تمرة قط من تمرة. وكان صاحب جُمَل ولم يكن يرضى بالتفاريق، ولا رمى بنواةٍ قط، ولا نزع قمعًا، ولا نفى عنه قشرًا، ولا فتّشه مخافة السوس والدود. ثم ما رأيته قط إلا وكأنه طالب ثأر، وشحْشَحان صاحب طائلة. وكأنه عاشق مغْتَلِم، أو جائع مقرور" (35) .
أية لوحة فنية رائعة هذه التي رسمها الجاحظ بقلمه لعلي الأسواري، فتجلت فيها أدق التفاصيل، وأغرب الحركات، وأمتع التعليقات، وأعذب التصويرات!
وإن من أجمل الوصف النفسي ما ذكره الجاحظ عن محمد بن أبي المؤمل، قال:"واشترى مرة شبوطة وهو ببغداد. وأخذها فائقة عظيمة، وغالى بها وارتفع في ثمنها، وكان قد بعُدَ عهده بأكل السمك. وهو بصْريٌّ لا يصبر عنه. فكان قد أكبر أمر هذه السمكة، لكثرة ثمنها ولسِمْنها وعِظَمها ولشدة شهوته لها. فحين ظن عند نفسه أنه خلا بها، وتفرد بأطايبها، وحسر عن ذراعيه وصمَد صَمْدَها، هجمتُ عليه ومعي السِّدْري. فلما رآه رأى الموت الأحمر والطاعون الجارف ورأى الحتم المقضي، ورأى قاصمة الظهر، وأيقن بالشر، وعلم أنه قد ابتلي بالتنين."