فهرس الكتاب

الصفحة 13263 من 23694

ثم إنه كان مبدعًا في البحث عن الدواعي النفسية التي تقود شخوصه إلى التعبير بالطريقة التي بها يعبرون، ويحاولون عبرها أن يخفوا معالم بخلهم بالحديث عن الكرم أو اصطناعه أو بذله. فكان بذلك سالكًا- في القرنين الثاني والثالث الهجريين- مسلك المحلِّلين النفسيين الذين ركزوا جهودهم في مطلع القرن العشرين على استبطان اللاشعور وتجلياته في النفس البشرية عبر الهفوات والسقطات وزلات القلم واللسان. والجاحظ بذاته يعبر عن ذلك في مقدمته بقوله:"ولا بد من أن تعرفني على الهَناتِ التي نمَّت على المتكلفين ودلت على حقائق المتموهين، وهتكت عز أستار الأدعياء وفرَّقت بين الحقيقة والرياء..." (32) ، بعد أن قدم عرضًا رائعًا لنفسياتهم وتسويغهم لبخلهم وشحهم بشتى المذاهب والأساليب.

يقول الجاحظ في مقدمة الكتاب (33) :" (...) ولِمَ سمَّوا البخل إصلاحًا والشح اقتصادًا، ولِمَ حامَوا عن المنع ونسبوه إلى الحزم، ولِمَ نصبوا للمواساة وقرنوها بالتضييع، ولِمَ جعلوا الجود سرفًا والأثرة جهلًا، ولِمَ زهدوا في الحمد وقلّ احتفالهم بالذم، ولِمَ استضعفوا من هش للذكر وارتاح للبذل، ولِمَ حكموا بالقوة لمن لا يميل إلى ثناء ولا ينحرف عن هجاء، ولِمَ احتجوا لظِلْف العيش على لينه ولمُره على حلوه (...) ولِمَ رغبوا في الكسب مع زهدهم في الإنفاق، ولِمَ عملوا في الغِنى عمل الخائف من زوال الغنى ولم يفعلوا مع الغنى عمل الراجي لدوام الغِنى، ولِمَ وفّروا نصيب الخوف وبخسوا نصيب الرجاء..." (34) .

كان الجاحظ إذًا فنانًا مبدعًا في وصفه الحسي لحركات البخلاء وسكناتهم، والوصف النفسي لِهَناتهم وهفواتهم. فإنك واجد في كتابه أمثلة كثيرة رائعة لكل ما ذكرناه. وإن كنا لا نستطيع في هذه الأسطر القليلة أن نحشد أكثرها، فإنا موردون بعض الأمثلة لها.

إن من أدق الوصف الواقعي لدى الجاحظ ما ذكره عن علي الأسواري، على لسان الحارثي، وكلاهما بخيل. قال الحارثي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت