ولقد تمثلت في كتاب البخلاء هذه الخصائص الرائعة لفن الكتابة الجاحظية. على أن الجاحظ كان يحسُّ، في بعض الأحيان، أن القلم، مهما برع صاحبه وأبدع، غيرُ قادر على الوصول إلى كُنْه الشيء، وعلى بلوغ حدوده وحقائقه. مثال ذلك قصة أبي جعفر، التي ابتدأها بقوله:"ولم أرَ مثل أبي جعفر الطَّرسوسي"، ثم سرد الحادثة، فقال:"زار قومًا فأكرموه فحكَّته شفته العليا، فأدخل إصبعه فحكها من باطن الشفة، مخافة أن تأخذ إصبعه من الغالية شيئًا إذا حكها من فوق". وعلّق على الوصف بقوله:"وهذا وشبهه إنما يطيب جدًا إذا رأيت الحكاية بعينك. لأن الكتاب لا يصوّر لك كل شيء، ولا يأتي لك على كُنْهه، وعلى حدوده وحقائقه" (31) .
ولكن أبرز السمات الفنية لتناول الفكاهة في كتاب البخلاء اثنتان: البراعة في الوصف والدقة في التصوير، ثم السخرية والتهكم.
4/2/1- البراعة في الوصف والدقة في التصوير:
كان الجاحظ بارعًا في وصفه، دقيقًا في تصويره، فهو لا يترك شاردة ولا واردة، ولا صغيرة ولا كبيرة، ولا همسة ولا لمسة، ولا حركة عابرة ولا مستشفة، مهما دقت أو شقت، إلا التقطها ودوَّنها أو عبر عنها، يسعفه في ذلك أسلوب طيع العبارة رشيقها، غزير المعنى دقيقه؛ ومنهج علمي يقوم على الدقة في الملاحظة، والعمق في الاستقصاء، والتتبع الرصين المتأمل. ولذلك لم يكن بحاجة إلى أن يزين أسلوبه بأنواع التشابيه والاستعارات إلا بالقدر الذي يبدو فيه التزيين طبيعيًا بعيدًا عن التكلف.