فلم يُلبثه السدري حتى قوّر السرة بالمبال، فأقبل عليَّ فقال: يا أبا عثمان، السّدري يعجبه السُّرَر، فما فصلت الكلمة من فيه، حتى قبض على القفا، فانتزع الجانبين جميعًا، فأقبل عليّ فقال: والسِّدري يعجبه الأقفاء، فما فرغ من كلامه إلا والسِّدري قد اجترف المتن كله، فقال: يا أبا عثمان والسِّدري يعجبه المتون، ولم يظنَّ أن السِّدري يعرف فضيلة ذنَب الشبوط وعذوبة لحمه، وظن أن سيسلم له، وظن معرفة ذلك من الغامض، فلم يدر إلا والسِّدري قد اكتسح ما على الوجهين جميعًا. ولولا أن السِّدري أبطره وأثقله وأكمده وملأ صدره غيظًا لكان أدرك معه طرفًا؛ لأنه كان من الأكلة. ولكن الغيظ كان من أعوان السِّدري عليه.
فلما أكل السِّدري جميع أطايبها. وبقي هو في النظارة، ولم يبق في يده مما كان يأمله في تلك السمكة إلا الغيظ الشديد والغُرم الثقيل، ظن أن في سائر السمكة ما يشبعه ويشفي من قرمه. فبذلك كان عزاؤه، وذلك هو الذي كان يمسك بأرماقه وحشاشات نفسه. فلما رأى السدري يفري الفرِيَّ ويلتهم التهامًا قال: يا أبا عثمان السدري يعجبه كل شيء. فتولد الغيظ في جوفه، وأقلقته الرِّعدة. فخَبُثت نفسه، فما زال يقيء ويسلح. ثم ركبته الحمى." (36) ."
أرأيت إلى دقة تصويره للحالة النفسية لمحمد بن المؤمّل وتطورها، وهو الذي كان يمني نفسه بسمكة الشبوط العذبة، فنُكب بخسارتها؟ فهو ما إن وقع نظره على السِّدري حتى رأى الموت الأحمر والطاعون الجارف و.. الخ. وما إن رآه يُطبِق عليها حتى أُكْمِد وامتلأ صدره غيظًا، فمنعه الغيظ من أن يأكل، فخبُثَت نفسه، فقاء، فسلح، فركبته الحمى.