وإذا كان الجاحظ ولد في البصرة ونشأ فيها وخالط تجارها فمن الطبيعي أن يكون صور شخصيات أغنيائها وبخلائها وألوان حياتهم. إن أبطال نوادره وقصصه واقعيون وحقيقيون، ولكنه كان يذكر بعضهم صراحة ويمعن في كتمان أدنى التفاصيل التي تتعلق ببعضهم الآخر، لأسباب يذكرها في المقدمة فيقول:
"هذا كتاب لا أغرّك منه ولا أستر عنك عيبه، لأنه لا يجوز أن يكمُل لما تريده ولا يجوز أن يوفّى حقه كما ينبغي له. لأن ههنا أحاديث كثيرة متى اطلعنا منها حرفًا عُرف أصحابها، وإن لم نسمِّهم ولم نرد ذلك بهم، وسواء سميناهم أو ذكرنا ما يدل على أسمائهم، منهم الصديق والولي والمستور والمتجمّل، وليس يفي حسن الفائدة لكم بقبح الجناية عليهم؛ فهذا باب يسقط البتة، ويختل به الكتاب لا محالة (...) (22) ."
أما موضوعات الكتاب فقد ذكرها الجاحظ في مقدمته حين قال:"وقلت: اذكر لي نوادر البخلاء واحتجاج الأشحاء، وما يجوز من ذلك في باب الهزل وما يجوز منه في باب الجد، لأجعل الهزل مستراحًا والراحة جمامًا، فإن للجد كدًا يمنع من معاودته ولا بد لمن التمس نفعه من مراجعته (...) " (23) .