فهرس الكتاب

الصفحة 13258 من 23694

فإن عدنا إلى موضوع البخلاء وطرحنا السؤال التالي: هل ابتدع الجاحظ الكتابة فيه ابتداعًا أو سبقه إلى ذلك آخرون؟ كان الجواب بالنفي؛ فقد سبقه إلى ذلك الأصمعي وأبو الحسن المدائني وأبو عبيدة. ولكن الجاحظ في تناوله لموضوع البخل اختلف مع سابقيه الذين دفعتهم إلى ذلك"غاية سياسية (17) لا تمت إلى الأدب أو الفن بصلة أو غاية من غايات المعرفة المجردة، ولذلك كانت بعيدة عن تصوير الحياة الاجتماعية، وتحليل البخل والحركات النفسية التي تداخله" (18) . لقد تناول الجاحظ الموضوع بتأثير من النزعة الفنية التي كانت وحدها حافزة إليه وصاحبة الأمر في تصريفه وتلوينه، فجاء على يديه"موضوعًا أدبيًا خالصًا، ومتعة فنية رائعة. وكان رهينًا بالأغراض الموقوتة التي أثير من أجلها، فصار خالدًا خلود النفس الإنسانية: يمتح منها، ويصدر عنها ولها" (19) .

وقد صور الجاحظ في كتاب البخلاء الحياة الاجتماعية التي كانت سائدة في عصره، فلم تعد الحياة في الدولة الإسلامية بسيطة كما كانت في صدرها وبداياتها، لقد تطور المجتمع وتشعبت مناحي الحياة وتنوعت مطالبها، وبذلك غدا المال هدفًا وغاية بذاته، بدلًا من أن يكون وسيلة. ويذكر طه الحاجري أن أحد الأمثال التي كانت سائرة في مدينة كبغداد هو:"المال المال وما سواه محال" (20) .

ثم إن التجارة التي ازدهرت في بغداد والبصرة أدت إلى نشوء طبقة من التجار الأثرياء في هاتين المدينتين، ولا سيما البصرة التي كانت ثغرًا بحريًا. وقد كان هؤلاء بطبعهم أكثر حرصًا على المال وعلى تكديسه، حتى لقد قرن الثعالبي صفة البخل بمهنة التجارة فقال:"ومعلوم أن البخل والنظر الطفيف مقرون بالتجارة، والتجار هم أصحاب التربيح والتكسب والتدنيق" (21) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت