في ما أعلم، فما من أديب أو باحث في التراث العربي كله، كان له ظرف الجاحظ وخفة ظله. وما من أحد كأبي عثمان كانت الفكاهة، أمرًا جوهريًا في حياته، حتى ليُظن أن البحث عنها وروايتها كانا شغله الشاغل.
"قال المرزباني، وحدث أبو الحسن الأنصاري، حدثني الجاحظ قال: كان رجل من أهل السواد تشيّع وكان ظريفًا. فقال ابن عم له: بلغني أنك تبغض عليًا عليه السلام، والله لئن فعلت لتردن عليه الحوض يوم القيامة ولا يسقيك. قال: والحوض في يده يوم القيامة؟ قال: نعم. قال: وما لهذا الرجل الفاضل يقتل الناس في الدنيا بالسيف وفي الآخرة بالعطش؟! فقيل له: أتقول هذا مع تشيعك ودينك؟ قال: والله لا تركت النادرة، ولو قتلتني في الدنيا، وأدخلتني النار في الآخرة" (65) .
.. ويلاحظ الدكتور عبد الكريم اليافي في تعليقه على"رسالة التربيع والتدوير"للجاحظ وكان أبو عثمان قد كتبها في هجاء رجل مفرط في الادعاء شكلًا ومضمونًا يدعى أحمد عبد الوهاب، أننا على الرغم من مرور أكثر من أحد عشر قرنًا على كتابة هذه الرسالة، فإننا ما نزال نتندر وننبسط عند تلاوتها، ونعجب لتفنن الجاحظ في ضحكه المتهكم (66) .
وربما كان هذا وراء هروب (أبي هِفَّان) (67) من الرد على الجاحظ وقد عرّض به وندّد.
قيل لأبي هفان: لِمَ لا تهجو الجاحظ، وقد ندّد بك وأخذ بمُخنَّقك؟ فقال: أمثلي يخدع عن عقله؟ والله، لو وضع رسالة في أرنبة أنفي لما أمست إلا بالصين شهرة. ولو قلت فيه ألف بيت لما طنّ منها بيت في ألف سنة (68) .
لقد كان (أبو العيناء(69) من الذين عاصروا الجاحظ، وروى أخبارًا كثيرة عنه وكان معجبًا به، وقد قيل له يومًا: ليت شعري، أي شيء كان الجاحظ يحسن؟ فقال: ليت شعري، أي شيء كان الجاحظ لا يحسن؟! (70) .
الهوامش: