كان الجاحظ، على عادته، ينتقل من عالم الحيوان، إلى دنيا الإنسان، منقبًا عن عاداته ومسالكه وغرائزه وطباعه، فإذا هو يقع في المبالغة إلى حد الأغراب، بينما هو يزعم أنه يقرر قاعدة عامة في الحياة والأخلاق والسنن الاجتماعية. فممّا يدعو إلى الفساد"طول وقوع البصر على الإنسان"و"طول التداني وكثرة الرؤية هما أصل البلاء، كما قيل لابنة الخس: لِمَ زنيت بعبدك، ولَمْ تزني بحرّ، وما أغراك به؟ قالت: طول السواد وقرب الوساد". ويتابع أبو عثمان:"ولو أن أقبح الناس وجهًا وأنتنهم ريحًا وأظهرهم فقرًا وأسقطهم وأوضعهم حسبًا قال لامرأة قد تمكن من كلامها ومكنته من سمعها: والله يا مولاتي وسيدتي، لقد أسهرت ليلي وأرقت عيني، وشغلتني عن مهمّ أمري، فما أعقل أهلًا ولا مالًا ولا ولدًا، لنقض طباعها ولفسخ عقدها، ولو كانت أبرع الخلق جمالًا وأكملهم كمالًا وأملحهم مِلْحًا. فإن تهيأ، مع ذلك من هذا المتعشق أن تدمع عينه، احتاجت هذه المرأة أن يكون معها ورع أم الدرداء ومعاذة العدوية ورابعة القيسية والشجا الخارجية (61) ".
6ً-الغرابة والغفلة:
وهنا يمزج الجاحظ بين الشعر والأثر والنفس العلمي، وهو يخبرنا بحمق النعامة:"ويقولون: أحمق من نعامة. كما يقولون أشرد من نعامة. قالوا ذلك لأنها تدع الحضن على بيضها ساعة الحاجة إلى الطعم، فإن هي في خروجها ذلك، رأت بيض أخرى قد خرجت للطعم حضنت بيضها ونسيت بيض نفسها ولعل تلك أن تصاد فلا ترجع إلى بيضها في العراء حتى تهلك. قالوا: ولذلك قال ابن هرمة:"
فإني وتركي ندى الأكرمين
كتاركة بيضها بالعراء ... وملبسةٍ بيض أخرى جناحا (62)
7ً-الجنس: