كان شيخ يأتي ابن المقفع، فألح عليه يسأله الغداء عنده، وفي ذلك يقول: إنك تظن أني أتكلف لك شيئًا؟! لا والله.إني لا أقدم لك إلا ما عندي. فلما أتاه إذ ليس في منزله إلا كسرة يابسة وملح جريش! ووقف سائل بالباب فقال له: بورك فيك. فلما لم يذهب قال: والله لو خرجتُ إليك لأدقنّ ساقيك. فقال ابن المقفع للسائل: إنك لو عرفت مِن صدق وعيده ما أعرف من صدق وعده، لم تُرادَّه كلمة ولم تقف طرفة عين (54) .
الفكاهة في كتاب"الحيوان"
أشك في أن الجاحظ وضع خطة محددة وهو ينوي تأليف كتابه العظيم (الحيوان) فإذا كان متنه علميًا هو دراسة الحيوان، إلا أن حواشيه الكثيرة من خلال استطرادات الجاحظ الغزيرة، جعلت فيه بحوثًا دينية واجتماعية وأدبية وتاريخية وفلسفية، لكن لا يفوت الكاتب الكبير وهو ينتقل من غصن إلى غصن في شجرة أخرى أن يورد الحكاية الظريفة والنادرة الضاحكة والمفارقة العجيبة.
من موقف يبعث على الابتسام إلى آخر يدفع إلى الضحك. وأي ضحك؟! إنه الضحك الذي يبلغ أحيانًا حد القهقهة، ولو كان المرء وحيدًا وهو يقرأ، فكيف إذا كان في جماعة. ومعلوم أن الإنسان يضحك بين الآخرين أكثر مما يفعل وهو منفرد، كما يرى"بيرغسون"، كما أن الضحك في جماعة يتخذ معنى أعمق من الضحك الفردي، وإن يكن للعدوى دور في ذلك.
أسلوب الجاحظ في"الحيوان"
يقول أبو عثمان في مقدمة"الحيوان"متحدثًا عن قارئ هذا الكتاب:
"ومتى خرج من آي القرآن، صار إلى الأثر، ومتى خرج من أثر صار إلى خبر. ثم يخرج من الخبر إلى شعر، ومن الشعر إلى نوادر، ومن النوادر إلى حكم عقلية ومقاييس شداد، ثم لا يترك هذا الباب، ولعله أن يكون أثقل والملال إليه أسرع حتى يفضي به إلى مزح وفكاهة، وإلى سخف وخرافة ولست أراه سخفًا." (55) .