ومن المفارقات التي تضحك الثكلى في"البيان والتبيين"هذه الواقعة فقد"قال هشام بن عبد الملك ذات يوم لجلسائه: أي شيء ألذ؟ قال له الأبرش بن حسان: أأصابك جرب.. فحككته؟ قال هشام: أجرب الله جلدك، ولا فرج الله عنك" (50) .
الفكاهة.. والعدد عند الجاحظ
وثمة فكاهة، يخيل إلينا ونحن نقرؤها أن هذا الركام من السنين لا يفصل بيننا وبين الجاحظ، فكأنه من هذا الزمان. فقد"قال رجل لرجل: بكم تبيع الشاة؟ قال: أخذتها بستة، وهي خير من سبعة، وقد أعطيت بها ثمانية، فإن كانت من حاجتك بتسعة، فزن عشرة (51) ."
.. وكما يبدو فإن للعدد دورًا في الفكاهة عند أبي عثمان. من ذلك أيضًا ما قاله طارق بن المبارك: مرض فتى عندنا. فقال له عمه: أي شيء تشتهي؟ قال: رأس كبشين.. قال لا يكون. قال: فرأس كبش (52) .
.. ومن هذا القبيل أيضًا ما رواه الجاحظ عن عبد الملك بن هلال الهنائي فقد كان عنده زنبيل ملآن بالحصا، فكان يسبّح واحدة واحدة، فإذا ملّ شيئًا طرح ثنتين ثنتين ثم ثلاثًا ثلاثًا، فإذا ملَّ قبضة قبضة وقال: سبحان الله بعدد هذا. وإذا مل شيئًا قبض قبضتين وقال: سبحان الله بعدد هذا. فإذا ضجر أخذ بعروتي الزنبيل وقلبه وقال: الحمد لله بعدد هذا. وإذا بكّر لحاجة لحظ الزنبيل وقال: الحمد لله بعدد ما فيه (53) .
ثمة في هذه النادرة شيء سوى العدد. إنه هذا المزاج الحاد، وتلك الإرادة الممتازة في امتلاك ناصية النفس. فإن الرجل يريد أن يظل رابط الجأش متماسكًا صلبًا من الداخل، وهكذا فإنه يفثأ انحباسه الداخلي من خلال الحصا، فهو هنا يشبه حبات السُّبحة في يد بعض الناس من ذوي المزاج الصعب.
.. وهذا نموذج آخر من ذوي المزاج الحاد يضعه عمرو بن بحر تحت أنظارنا، إلا أنه يختلف عن صاحب الحصا، بأنه إنسان فعال، أي أنه قادر على نقل انفعاله من الحيز الجوّاني لجعله فعلًا مضارعًا إن لم يكن ماضيًا.
نموذج حاد آخر..
قال الجاحظ: