إن الضحك هنا، يأتي بالفعل من الفكاهة اللفظية، ولكن هذا هو الظاهر، أو الشكل. أما المضمون فهو هذا الضرب من البخل الذي يحط من قيمة صاحبه ويجعله كذابًا، وهو القوي، يتوازى ويتساوى، مع إنسان ضعيف فقير هو الشاعر.
البيان والتبيين
على أن ثمة ضربًا من الفكاهة اللفظية، يكاد يكون مقتصرًا على اللغة العربية، لأن أيًا من حالات الإعراب، في اللغات الأخرى، لا تشبه الإعراب فيها. وقد كان انتباه الجاحظ إلى ذلك، في وقت مبكر- بين أواخر القرن الهجري الثاني ومطلع القرن الثالث- أمرًا جديرًا بالوقوف عنده. بلى، إن الإعراب يوضح المستغلق من المعاني ويحدده، إلا أن تعديلًا طفيفًا في حركة الإعراب، يؤدي إلى تغيير المعنى، ويعبر عن حالة جديدة. قال الجاحظ (42) :
"من اللحّانين الأشراف ابن ضحيان الأزدي. وكان يقرأ ]قل يا أيها الكافرين[ (43) . فقيل له في ذلك، فقال: قد عرفت القراءة في ذلك، ولكني لا أجلّ أمر الكفرة" (44) .
هذا اللون من الفكاهة الذي تشبه الحركة الضاحكة فيه إيماءة الضوء Flash نلمحه كثيرًا في كتاب الجاحظ"البيان والتبيين"وتقترب الفكاهة هنا كثيرًا من عالم النكتة الحديثة، بل المعاصرة، حيث تُختزل الألفاظ وتشحن وتكثف إلى أقصى درجة ممكنة، سواء كانت النكتة تعتمد على الألفاظ والتلاعب بها، أو تقوم على إظهار التناقض أو تبيان المفارقة. ويظل للأحوال الإنسانية، المزاجية والنفسية والعقلية دور هام في النكتة هنا، كما هو الحال في جميع كتابات أبي عثمان.