بينما هو يومًا في مجلس، وهو مشغول بحسابه وأمره، وقد احتجب بجهده، إذ نجم شاعر بين يديه، فأنشده شعرًا مدحه فيه وقرّظه ومجّده. فلما فرغ قال: قد أحسنت. ثم أقبل على كاتبه فقال: أعطه عشرة آلاف درهم. ففرح الشاعر فرحًا قد يستطار له. فلما رأى حاله قال: وإني لأرى هذا القول، قد وقع منك هذا الوقع. اجعلها عشرين ألف درهم، فكاد الشاعر يخرج من جلده. فلما رأى فرحه قد أضعف قال: وإن فرحك ليتضاعف على قدر تضاعف القول. أعطه يا فلان أربعين ألفًا، فكاد الفرح يقتله.
فلما رجعت نفسه إليه قال له: أنت، جعلت فداك، رجل كريم وأنا أعلم أنك كلما رأيتني قد ازددت فرحًا زدتني في الجائزة، وقبول هذا منك لا يكون إلا من قلة الشكر، ثم دعا له وخرج.
قال: فأقبل عليه كاتبه فقال: سبحان الله! هذا كان يرضى منك بأربعين درهمًا تأمر له بأربعين ألف درهم؟ قال: ويلك، وتريد أن تعطيه شيئًا؟
قال: أومن إنفاذ أمرك بدّ؟ قال: يا أحمق، إنما هذا رجل سرّنا بكلام وسررناه بكلام. هو حين زعم أني أحسن من القمر، وأشد من الأسد، وأن لساني أقطع من السيف، وأن أمري أنفذ من السنان، جعل في يدي هذا شيئًا أرجع به إلى بيتي؟ ألسنا نعلم أنه قد كذب! ولكنه قد سرّنا حين كذب لنا، فنحن أيضًا نسرّه بالقول، ونأمر له بالجوائز. وإن كان كذبًا فيكون كذب بكذب وقول بقول، فأما أن يكون كذب بصدق، وقول بفعل، فهذا هو الخسران المبين الذي سمعت به (41) .
حالتان لغويتان.. أم إنسانيتان؟
إننا هنا إزاء حالتين لغويتين، أقام أبو عثمان بينهما توازنًا واتساقًا مدهشين: فهما كذابان قوّالان. غير أن السؤال هو التالي: أكان كذب الثاني نتيجة ومحصلة لكذب الأول؟ أم إن الثاني القادر الثري، هو في الأصل كذاب في ذاته، والأول الشاعر الضعيف، ليس كاذبًا ولا صادقًا، وإنما هو شاعر محترف صنعته المبالغة.. لكسب عيشه، على طريقة الشعراء المرتزقة في ذلك الزمن؟!