فدعاه ذلك إلى أن يوالي بين الإطباق والفتح، فتنحى ريثما سكن جفنه- المقصود بالتنحّي هو الذباب- ثم عاد إلى مؤقه بأشد من مرته الأولى، فغمس خرطومه في مكان كان قد أوهاه قبل ذلك، فكان احتماله وعجزه عن الصبر عليه في الثانية أقل، فحرك أجفانه وزاد في شدة الحركة وألح في فتح العين، وفي تتابع الفتح والإطباق، فتنحى عنه بقدر ما سكنت حركته. ثم عاد إلى موضعه، فما زال يلح عليه حتى استفرغ صبره وبلغ مجهوده، فلم يجد بدًا من أن يذب عن عينيه بيده، ففعل وعيون القوم إليه ترمقه، وكأنهم لا يريدونه. فتنحى عنه بقدر ما ردّ يده وسكنت حركته، ثم عاد إلى موضعه، ثم ألجأه إلى أن ذبَّ عن وجهه بطرف كمّه، ثم ألجأه إلى أن تابع بين ذلك. وعلم أن فعله كله بعين من حضره من أمنائه وجلسائه. فلما نظروا إليه قال: أشهد أن الذباب ألح من الخنفساء، وأزهى من الغراب (39) .
كلام في كلام
.. ويتجلى سلطان اللغة في الفكاهة عند أبي عثمان، على نحو خاص، في تلك النادرة التي رواها في"البخلاء"فهي قائمة أصلًا على الكلام، حتى إن عنوانها يمكن أن يكون"سرور الكلام"أو"كلام في كلام". وسوى هذه اللعبة اللفظية فثمة فيها، معرفة عميقة لدى الجاحظ بخفايا السلوك ونوازعه.. وما يمكن أن ينطوي عليه من كفّ وإقدام.
يقول الجاحظ:
"ومثل هذا الحديث ما حدثني به محمد بن يسير (40) ، عن والٍ كان بفارس إما أن يكون خالدًا خومهرويه أو غيره قال:"