فهرس الكتاب

الصفحة 13238 من 23694

قال الجاحظ: (ثم رجع بنا القول) إلى إلحاح الذبّان. كان لنا بالبصرة قاض يقال له عبد الله بن سوار، لم ير الناس حاكمًا قط زمّيتًا ولا ركينًا ولا وقورًا حليمًا ضبط من نفسه وملك من حركته مثل الذي ضبط وملك. كان يصلي الغداة في منزله وهو قريب الدار من مسجده، فيأتي مجلسه فيحتبي ولا يتكئ فلا يزال منتصبًا لا يتحرك له عضو، ولا يلتفت ولا يحل حبوته، ولا يحل رجلًا على رجل، ولا يعتمد على أحد شقيه حتى كأنه بناء مبني، أو صخرة منصوبة. فلا يزال كذلك حتى يقوم إلى صلاة الظهر، ثم يعود إلى مجلسه. فلا يزال كذلك حتى يقوم إلى العصر. ثم يرجع إلى مجلسه. فلا يزال كذلك حتى يقوم لصلاة المغرب، ثم ربما عاد إلى محله. بل كثيرًا ما يكون ذلك، إذا بقي عليه من قراءة العهود والشروط والوثائق، ثم يصلي العشاء وينصرف. فالحق يقال: لم يقم في طوال تلك المدة والولاية مرة واحدة إلى الوضوء ولا احتاج إليه، ولا شرب ماء ولا غيره من الشراب. كذلك كان شأنه في طِوال الأيام وفي قصارها، وفي صيفها وفي شتائها. وكان مع ذلك لا يحرك يده ولا يشير برأسه، وليس إلا أن يتكلم. فبينا هو كذلك ذات يوم، وأصحابه حواليه، وفي السماطين (38) بين يديه، إذ سقط على أنفه ذباب، فأطال المكث. ثم تحول إلى مؤق عينه فرام الصبر في سقوطه على المؤق وعلى عضه ونفاذ خرطومه، كما رام من الصبر على سقوطه على أنفه من غير أن يحرك أرنبته أو يغضّ وجهه أو يذب بإصبعه. فلما طال ذلك عليه من الذباب، وشغله وأوجعه وأحرقه، وقصد إلى مكان لا يحتمل التغافل، أطبق جفنه الأعلى على جفنه الأسفل، فلم ينهض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت