درس الجاحظ في صغره العلم بكتاتيب مدينة البصرة وكان يتردد إليها وهو ابن عشرين، وروي أنه كان يبيع الخبز والسمك بسيحان في فترة تعليمه، وقد برمت أمه بانصرافه إلى العلم حتى قدمت له يومًا طبقًا فيه كراريس بدل الطعام، فدخل الجامع مغتمًا وفيه"موسى بن عمران"، فلما وقف موسى على حاله أدخله منزله، وقرّب إليه الطعام، وأعطاه خمسين دينارًا، واشترى له الدقيق وغيره وسيّره إلى داره، واتصل بابن الزيات فأقطعه أربعمائة جريب في الأعالي، ذلك أن حياة الشظف لم تطل له، فقد جمع مالًا من عماله، سأله ميمون بن هارون: ألَك بالبصرة ضيعة؟ فتبسّم وقال: إنما أنا وجارية وجارية تخدمها وخادم وحمار، أهديت كتاب"الحيوان"إلى محمد بن عبد الملك فأعطاني خمسة آلاف دينار، وأهديت كتاب"البيان والتبيين"إلى ابن أبي دواد فأعطاني خمسة آلاف دينار، وأهديت كتاب"الزرع والنخل"إلى إبراهيم بن العباس الصولي فأعطاني خمسة آلاف دينار، فانصرفت إلى البصرة ومعي ضيعة لا تحتاج إلى تجديد وتسميد!! وكانت له مشاهرات ينالها من الخليفة فوق هذا كله.
كان الجاحظ شديد الكره للعمل في وظائف الدولة، فقد قلّد أعمال ديوان الرسائل أيام المأمون إلا أنه استعفى فأعفي، وقد أُثر عنه شدة اعتداده بنفسه وثقته بعمله، ومن كان هذا طبعه يصعب عليه أن يخضع لقيود العمل الوظيفي والإذعان للرؤساء، يقول في ذلك:"وليس هكذا من لابس السلطان بنفسه، وقاربه بخدمته فإن أولئك لباسهم الذلة، وشعارهم الملق (3) "، وقد روى ابن عساكر عنه رواية إن صحت فإنما تدل على طموحه الفائق وشعوره بأنه أعظم من وزراء الخليفة قال: