"إن الله خلق من المرأة ولدًا من غير ذكر ولم يخلق من الرجل ولدًا من غير أنثى، فخص بالآية العجيبة والبرهان المنير المرأة دون الرجل لما خلق المسيح في بطن مريم من غير ذكر".
وبعد كل ما يقدمه الجاحظ يثبت ما خلص إليه السابقون عن المرأة فيقول:
"إن فضل الرجل على المرأة في جملة القول في الرجال والنساء أكثر وأظهر". ويدعي الجاحظ لنفسه دفاعه عن المرأة وتغيير تلك النظرة الدونية إليها فيقول:"ولسنا نقول أن النساء فوق الرجال أو دونهم بطبقة أو طبقتين أو بأكثر، ولكنا رأينا أناسًا يزرون عليهن أشد الزراية ويحتقرونهن أشد الاحتقار ويبخسونهن أكثر حقوقهن".
ويخلص إلى القول:"ليس ينبغي لمن عظّم حقوق الآباء أن يصغّر حقوق الأمهات وكذلك الأخوة والأخوات والبنون والبنات، وأنا وإن كنت أرى حق هذا أعظم فإن هذه أرحم".
لقد أقر الجاحظ في نهاية المطاف أن لكل من النساء والرجال خصائص وفروقًا تتناسب وطبيعتهم.
وإذا كان ابن قتيبة قد وصف الجاحظ في كتابه (تأويل مختلف الحديث) بقوله:
"الجاحظ آخر المتكلمين وأحسنهم للحجة استثارة وأشدهم تلطفًا لتعظيم الصغير حتى يعظم وتصغير العظيم حتى يصغر، ويبلغ به الاقتدار إلى أن يعمل الشيء ونقيضه". فإن ما وصل إلينا من كتابات الجاحظ في المرأة يجعلنا أقرب إلى حقيقة رأيه فيها على الرغم من أنه لم يبلغ بكتاباته إلى نتيجة حاسمة بل عبر وبتحفظ شديد وحيطة بارعة عن موقفه من المرأة.
وكنا نأمل من الجاحظ وهو المتكلم والفيلسوف والمؤرخ والعالم والإنسان الذي جاب الآفاق وجنى من تنقلاته علمًا غزيرًا أن يبحث في المرأة وأحوالها ووجوه معاشها وأخلاقها ومجالات عطائها وتكامل دورها مع دور الرجل، وأن يقوِّم لنا ما أنتجته بعض النساء الشهيرات في ذلك العصر.