"إن القينة لا تكاد تخالص في عشقها ولا تناصح في وُدها، لأنها مكتسبة ومجبولة على نصب الحِبالة والشرك... فإذا شاهدها المشاهد رامته باللحظ وداعبته بالتبسم وغازلته في أشعار الغناء و... وأظهرت الشوق إلى طول مكثه والصبابة لسرعة عودته، والحزن لفراقه، فإذا أحست بأن سحرها قد نفذ فيه تزيدت فيما كانت قد شرعت فيه وأوهمته أن الذي بها أكثر مما به منها، ثم كاتبته تشكو إليه هواه، وتقسم له أنها مدت الدواة بدمعها... وأنه شجنها وشجوها في فكرتها وضميرها في ليلها ونهارها... وأكثر أمرها قلة المناصحة واستعمال الغدر والحيلة.."إلى أن يقول:"فلو لم يكن لإبليس شرك يقتل به ولا علم يدعو إليه ولا فتنة يستهوي بها إلا القيان لكفاه". ثم يتابع القول:"وليس هذا بذم لهن ولكنه من فرط المدح وقد جاء في الأثر خير نسائكم السواحر الخلابات".
وعجبًا كيف أن الجاحظ انتقى القينة موضوعًا لوصفه وقاربها من إبليس في الدهاء والمكر ثم أردف بأن هذا من فرط المدح ولم يتناول بالبحث والدراسة المرأة الفقيهة، العالمة، الأديبة، السياسية، الحكيمة.. الخ.. خاصة أن العصر العباسي الذي عاشه الجاحظ شهد نساء شهيرات ذكرت الكتب والتراجم الكثير عنهن، وكان من الأجدر به أن يتصدى للبحث حولهن وهو الأديب العالم النابغ القادر على تناول هذه الجوانب بالتأليف أكثر من سواه.