وقد أتت الدراسة والجد أكلهما لدى الجاحظ المتميز بذكائه المتوقد، وقريحته النقادة، وبصيرته النافذة، وحافظته القوية، فعمد إلى الكتابة والتأليف ولم يثنه عن ذلك مرضه، فحيويته الكامنة كانت تثور به عليه.
وقد اتخذ من حياته اليومية مبدأ لأدبه، ومن موضوعات الحياة الاجتماعية مادة لكاتباته، ومن الشك والتقصي طريقًا لمنهجه، بحيث ذاع صيته، وانتشرت كتبه فعرفه القاصي والداني (4) وقد ساعده علمه الغزير على أن يكون صاحب نظرية فكرية وطريقة خاصة وأن يبدع في فنون الأدب واللغة وأن يجد حظوته عند الحكام.
-التعويض في السلوك والأخلاق: ظهر التعويض جليًا عند الجاحظ تجاه نقص الأبوة، في تعلقه بأستاذه النظام الذي أغدق عليه حنان الأبوة الكريمة التي كانت نفس الجاحظ شديدة التعطش لها. وظهر التعويض بينًا أيضًا تجاه الفقر والحرمان، فقد صرف كل ما أعطي من مخصصاته من خزينة الدولة ومن الخلفاء ومنحِ الوزراء، وقد جاء الإسراف عنده في حالة اليسر رد فعل طبيعي على الفاقة والعوز اللذين عانى منهما في مطلع حياته.
لقد رغب في أن يحذو سلوك الأمراء والأثرياء فاشترى الجواري اللواتي كنَّ يعملن في بيوت ذوي السلطة والحكام، وابتاع الضياع كغيره من الموسرين وقد أوقعه إسرافه هذا في الفقر مرة أخرى واضطره إلى الاستدانة في أثناء مرضه كما ترك نفور الآخرين منه أثرًا في نفسه وجد بديلًا وتعويضًا في التودد إلى من حوله، والتلطف معهم وتوطيد الصلة بالمسؤولين ليظفر من حبهم له وعطفهم عليه بما يعوضه عن آثار القبح والحرمان، وليجعله ذائع الصيت والشهرة بعد أن كان خامل الذكر لا يؤبه لتأليفه ولا يقام وزن لكتبه (5) .
وقد عرف الجاحظ بخفة الروح والظرف وحسن المعاشرة ولطف النكتة وشدة الحساسية بالكلمة الساخرة والمرح التواق إلى الدعابة والاستطراد وساعدته روحه الشعبية على أن يكون أدبه وثيق الصلة بالحياة الشعبية.