فهرس الكتاب

الصفحة 13138 من 23694

وفوق هذا كله ابتلته الأقدار بالقبح ونبذ الناس له، فقد كان قبيح الصورة، بذ الهيئة، قصير القامة، جاحظ العينين... ويكفيه ألمًا وحسرة أن الناس أهملوا اسمه الحقيقي (عمرو) ونسوا كنيته (أبو عثمان) وأسقطوا عليه لقب الجاحظ لجحوظ عينيه أو الحدقي لنتوء حدقته.

ولم يكتف الناس بذلك بل راحوا يهجونه لقباحة شكله أو يهجون الآخرين لمشابهتهم به، فها هو ذا أحد خصوم المعتزلة يقول فيه:

لو يُمسَخُ الخنزير مسخًا ثانيًا

وها هو مخلد بن علي السلامي يهجو إبراهيم بن المدبر بقوله: ... وعينك عين بشار بن برد

أراني الله وجهك جاحظيًا

ومع أن الجاحظ حاول وعلى نحو لا شعوري أن يسدل ستارًا على كل هذا وأن يتجاوز معاناته في كتاباته المتنوعة والكثيرة، إلا أن عِظَم هذه المعاناة كانت تظهر بين حين وآخر وعلى صور مباشرة أو غير مباشرة.. فلم يكن بمقدوره مثلًا أن يتجاهل ردود من حوله لوقع قباحته في نفوسهم.

فالمتوكل بعد أن هم بجعله مؤدبًا لولده عاد فصرف النظر عن ذلك لأن الرسوم تفرض في مؤدبي أبناء الأمراء نوعًا من جمال الصورة وبراعة الهيئة وحسن التكوين (2) .

والخليفة الذي عينه في ديوان الرسائل أعفاه بعد ثلاثة أيام فقط على تسلمه منصبه، بسبب وشاية الخصوم ودمامة وجه الجاحظ وعبثه وهما صفتان لا تتفقان وقار الملك (3) .

وإذا كان قبح الجاحظ قد أثر في مشاعر الرجال مما جعلهم ينكرون هذا القبح وينفرون منه، فإن وقعه كان أشد وأبين على النساء، والجاحظ الذي يذكر مواقف بعض النساء من دمامته على سبيل الدعابة والنوادر، إلا أنها في حقيقتها تعكس شرخًا عميقًا في نفسه الحساسة.

فها هي ذي إحداهن تشفِق على أمه لحملها به، إثر حادث جرت لها معه، فتقول لرفيقتها:"كانت أم هذا منه تسعة أشهر في جهد جهيد"وتلك أخرى تطلب منه مرافقتها إلى صانع الحلي وينصاع لأمرها ويتبين له أنها تريد نقش صورة الشيطان على فص الخاتم ووجدت في وجه الجاحظ خير معبر لصورة الشيطان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت