فهرس الكتاب

الصفحة 13137 من 23694

وإذا كان علماء النفس والتربية والاجتماع قد أكدوا أهمية مرحلة الطفولة الأولى في حياة الإنسان وأثرها في تكيفه الاجتماعي والسياسي والحياتي بصورة عامة، وأن حرمان الطفل من الحاجات الأساسية له وبخاصة حرمانه من الحب والطمأنينة والتقدير وإثبات الذات والانتماء إلى الجماعة، يولد لديه شعورًا بالنقص يتخذ أشكالًا تعبيرية وسلوكية متنوعة، تتصف بالديناميكية والتعقيد بهدف تعويض النقص وإثبات الوجود، فإن توفير هذه الحاجات الأساسية للطفل تضمن له ظروف الحياة السوية فينمو نفسيًا واجتماعيًا وانفعاليًا على نحو صحيح.

وقياسًا على ما سبق فإن معرفة رأي الجاحظ في المرأة ونظرته ليها يقتضي منا إلمامًا بدقائق حياته، وإحاطة بحقائق طفولته، ومعرفة بالغة بالعوامل المختلفة التي عملت في تكوين شخصيته وتلوين حياته وتوجيه نشاطه... فهل عاش الجاحظ طفولته كما ينبغي؟ وهل نعِم بالعطف والرعاية والحنان في كنف أسرة متماسكة تمنحه كل ما يحتاج إليه من غذاء روحي ومادي؟.. وهل حَظي بقبول وترحاب الرفاق والأقران من حوله؟..

إن دراسة حياة الجاحظ الأولى تبين أنه لم يكن سعيد الحظ في مستهل حياته وطالعة أمره، ولم ينشأ كالأطفال الآخرين ينعمون بحنان أهلهم وذويهم، بل غلب على طفولته البؤس والضيق.. لقد فقد أباه في فجر حياته، وحالت الأقدار بينه وبين حنان الأبوة وكفايتها، وسعت أمه إلى تموينه بقدر ما تستطيع، إلا أنها لم تكن لتعفيه من تحمل أعباء الحياة (1) مما اضطره إلى بيع الخبز والسمك بسيحان إحدى جهات البصرة، وإلى مزاولة أعمال أخرى بين البحريين وغيرهم من عمال البصرة وسوقتها، وكان عليه أن يكدح في الحياة، وأن يلتمس أسباب العيش لنفسه ولأمه ولأخته.

وإلى جانب الفقر عانى من ضآلة المنبت والضعة الاجتماعية، فجده فزارة الأسود كان يعمل جمالًا لعمرو بن قلع الكناني، مما جعل بعضهم يتردد في انتمائه العربي، مع أنه كناني النسب، عربي الأصل والدم والمنشأ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت