فهرس الكتاب

الصفحة 13131 من 23694

لقد أفاض الجاحظ في الكلام على بعض الحيوان دون بعض متوخيًا جوانب المعرفة وظواهر الغرابة وحذق التصوير ومهارة البيان إرضاءً لنهم القارئ وإفادته وحثًا على التفكير والتذكر والاعتبار ورغبة في التسلية والإمتاع والسلوان. وكأنه كان يضرب الأمثال على اتساع ميادين المعرفة والبيان في كل جانب من جوانب الحياة والكون، ولو قلّ شأن الجانب وضؤلت مكانته وظن من سقط المتاع وحريًا بالإغفال والإهمال. أوليس هو القائل:"والمعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي والبدوي والقروي والمدنيّ، وإنما الشأن في إقامة الوزن وتخيُّر اللفظ وسهولة المخرج وكثرة الماء وفي صحة الطبع وجودة السبك. فإنما الشعر صناعة وضرب من النسج وجنس من التصوير." (63) .

ونحن نقول: وكذلك النثر صناعة وضرب من النسج وجنس من التصوير.

ولو كان الجاحظ حيًا في القرن العشرين وعاصر العالم النمساوي كارل فون فريش Karl Von Frish واطلع على أعماله لحدثنا عن لغة النحل الراقصة. فالنحلة بعد اشتيارها للرحيق على الزهرة تؤوب وتنبئ رفاقها بمكان الزهرة على مسافة معينة وفي جهة معينة. أما الزهرة فتعيِّنها بالرائحة وأما المسافة والجهة فبالرقص. والرقص ثماني رقصات سرعتها متناسبة عكسًا مع المسافة وميلها عن الخط الشاقولي يعادل الزاوية الحاصلة بين الخلية والشمس من جهة وبين الخلية والرحيق من جهة ثانية. فإن كانت الشمس محتجبة استند التعيين إلى تحسس استقطاب النور بالعين. فالرقص إشارة وتعبير ودلالة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت